للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الوالي، فكبس عليه وضرب عنقه، وأقام الدّواء في أفخاذي سنة إلى أن ختم الجرح وبقي كذا حفرا (١).

وبسبب هذا الغلاء خرب الفسطاط، وخلا موضع العسكر والقطائع وظاهر مصر ممّا يلي القرافة حيث الكيمان الآن إلى بركة الحبش. فلمّا قدم أمير الجيوش بدر الجمالي إلى مصر وقام بتدبير أمرها، نقلت أنقاض ظاهر مصر ممّا يلي القاهرة حيث كان العسكر والقطائع، وصار فضاء وكيمانا فيما بين مصر والقاهرة، وفيما بين مصر والقرافة، وتراجعت أحوال الفسطاط بعد ذلك حتى قارب ما كان عليه قبل الشّدّة.

وأمّا «حريق مصر» (٢) فكان سببه أنّ الفرنج لمّا تغلّبوا على ممالك الشّام، واستولوا على السّواحل حتى صار بأيديهم ما بين ملطيّة/ إلى بلبيس، إلاّ مدينة دمشق فقط، وصار أمر الوزارة بديار مصر لشاور بن مجير السّعدي، والخليفة يومئذ العاضد لدين اللّه عبد اللّه بن يوسف اسم لا معنى له، وقام في منصب الوزارة بالقوّة في صفر سنة ثمان وخمسين وخمس مائة وتلقّب بأمير الجيوش، وأخذ أموال بني رزّيك وزراء مصر وملوكها من قبله. فلمّا استبدّ بالإمرة، حسده ضرغام صاحب الباب، وجمع جموعا كثيرة وغلب شاور على الوزارة في شهر رمضان منها، فسار شاور إلى الشّام، واستقلّ ضرغام بسلطنة مصر، فكان في هذه السّنة بمصر (a) ثلاثة وزراء هم: العادل بن رزّيك بن طلائع بن رزّيك، وشاور بن مجير، وضرغام. فأساء ضرغام السّيرة في قتل أمراء الدولة، وضعفت من أجل ذلك دولة الفاطميين بذهاب رجالها الأكابر (٣).

ثم إنّ شاور استنجد بالسّلطان نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشّام، فأنجده وبعث معه عسكرا كثيرا في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين، وقدّم عليه أسد الدين شيركوه، على أن يكون لنور الدين، إذا عاد شاور إلى منصب الوزارة، ثلث خراج مصر بعد إقطاعات العساكر،


(a) بولاق: فكان بمصر في هذه السنة.
(١) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ١٧: ٥.
(٢) انظر تفاصيل هذا الحريق الذي استمر أربعة وخمسين يوما في سنة ٥٦٤ هـ/ ١١٦٨ م عند، أبي صالح الأرمني: تاريخ ٣٦، ٤٣ - ٤٨؛ أبي شامة: الروضتين ٣٩١: ١، ٤٣٢ (عن ابن أبي طيّ)؛ المقريزي: اتعاظ الحنفا ٢٩٦: ٣ - ٢٩٧؛ - Kubiak، W.، «The Burninig of Misr al Fusta? t in ١١٦٨.A Reconsideration of Historical Evidence»، Africana Bulletin XXV (١٩٧٦)، pp.
٥١ - ٦٤; Fu'a? d Sayyid، A.، op.cit.، pp. ٦٢٥ - ٣٤.
(٣) المقريزي: اتعاظ الحنفا ٢٥٩: ٣ - ٢٦١.