قال القضاعيّ:«المنظر» بناه أحمد بن طولون في ولايته لعرض الخيل. وكان عرض الخيل من عجائب الإسلام الأربعة التي منها هذا العرض، ورمضان بمكّة، والعيد كان بطرسوس، والجمعة ببغداد؛ فبقي من هذه الأربعة شهر رمضان بمكّة، والجمعة ببغداد، وذهبت اثنتان (١).
قال كاتبه: وقد ذهبت الجمعة من بغداد (a) أيضا بعد القضاعي، بقتل هولاكو للخليفة المستعصم، وزوال شعائر الإسلام من العراق، وبقيت مكّة - شرّفها/ اللّه تعالى - وليس في شهر رمضان الآن بها ما يقال فيه إنّه من عجائب الإسلام (٢).
ولمّا تكامل عزّ خمارويه وانتهى أمره، بدأ يسترجع منه الدّهر ما أعطاه؛ فأوّل ما طرقه موت حظيّته بوران التي من أجلها بنى بيت الذّهب، وصوّر فيه صورتها وصورته كما تقدّم، وكان يرى أنّ الدّنيا لا تطيب له إلاّ بسلامتها وبنظره إليها وتمتّعه بها، فكدّر موتها عيشه، وانكسر انكسارا بان عليه.
ثم إنّه أخذ في تجهيز ابنته، فجهّزها جهازا ضاهى به نعم الخلافة، فلم يبق خطيرة ولا طرفة من كلّ لون وجنس إلاّ حمله معها. فكان من جملته دكّة أربع قطع من ذهب، عليها قبّة من ذهب مشبّك، في كلّ عين من التشبيك قرط معلّق فيه حبّة جوهر لا يعرف لها قيمة، ومائة هون من ذهب (٣).
قال القضاعيّ: وعقد المعتضد النّكاح على ابنته - يعني ابنة خمارويه - قطر النّدى، فحملها أبو الجيش خمارويه مع أبي (b) عبد اللّه بن الجصّاص (c) (٤)، وحمل معها ما لم ير مثله، ولا يسمع به.
ولمّا دخل إليه ابن الجصّاص (c) يودّعه، قال له خمارويه: هل بقي بيني وبينك حساب؟ فقال:
لا؛ فقال: انظر حسنا (d)، فقال: كسر بقي من الجهاز؛ فقال: أحضروه، فأخرج ربع طومار فيه
(a) بولاق: ببغداد. (b) ساقطة من بولاق. (c) بولاق: الخصاص. (d) بولاق: حسابك. (١) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٦٠: ٣ وانظر كذلك عرض الخيل عند الفاطميين فيما يلي ٤٦٧. (٢) نفسه ٦١: ٣. (٣) راجع سبب زواج الخليفة المعتضد العباسي بقطر الندى ابنة خماروية عند أبي المحاسن: النجوم الزاهرة ٥٢: ٣ - ٥٣. (٤) أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه بن الحسين بن الجصّاص الجوهري المتوفى سنة ٣١٥ هـ/ ٩٢٧ م، أحد أعيان التجار ذوي الثروة الواسعة واليسار، أصله من العراق ثم رحل إلى مصر زمن خمارويه بن أحمد بن طولون الذي قربه وجعله وكيله الوحيد في تجهيز قصره بالأحجار الكريمة، وهو الذي