ثبت ذكر النّفقة، فإذا هي أربع مائة ألف دينار، قال محمد بن علي الماذرائي: فنظرت في الطّومار، فإذا فيه «وألف تكّة، الثّمن عنها عشرة آلاف دينار»؛ فأطلق له الكلّ. قال القضاعيّ:
وإنّما ذكرت هذا الخبر لتستدل به على أشياء: منها سعة نفس أبي الجيش، ومنها كثرة ما كان يملكه ابن الجصّاص (a)، حتى إنّه قال:«كسر بقي من الجهاز»، وهو أربع مائة ألف دينار، لو لم يقتضه ذلك لم يذكره. ومنها ميسور ذلك الزّمان، لمّا طلب فيه ألف تكّة من أثمان عشرة دنانير قدر عليها في أيسر وقت وبأهون سعي، ولو طلب اليوم خمسون لم يقدر عليها (١).
قال كاتبه: ولا يعرف اليوم، في أسواق القاهرة ومصر، تكّة بعشرة دنانير إذا طلبت توجد في الحال، ولا بعد شهر، إلاّ أن يعتني بعملها فتعمل.
ولمّا فرغ خمارويه من جهاز ابنته، أمر فبني لها - على رأس كلّ مرحلة تنزل بها - قصر فيما بين مصر وبغداد، وأخرج معها أخاه شيبان بن أحمد بن طولون في جماعة مع ابن الجصّاص (a)، فكانوا يسيرون بها سير الطّفل في المهد، فإذا وافت المنزل وجدت قصرا قد فرش فيه جميع ما يحتاج إليه، وعلّقت فيه السّتور، وأعدّ فيه كلّ ما يصلح لمثلها في حال الإقامة. فكانت في مسيرها من مصر إلى بغداد - على بعد الشّقّة - كأنّها في قصر أبيها، تنتقل من مجلس إلى مجلس، حتى قدمت بغداد أوّل المحرّم سنة اثنتين وثمانين ومائتين، فزفّت على الخليفة المعتضد (٢).
وبعد ذلك قتل خمارويه بدمشق.
وكانت مدّة بني طولون بمصر سبعا وثلاثين سنة وستة أشهر واثنين وعشرين يوما، وولي منهم خمسة أمراء. أوّلهم أحمد بن طولون: ولي مصر من قبل المعتزّ على صلاتها، فدخل يوم
(a) بولاق: الخصاص. جهّز قطر الندى ابنة خمارويه عند زواجها من الخليفة المعتضد العباسي فأفرغ خزائن خمارويه حتى قال هذا: «لعن اللّه ابن الجصّاص، أفقرني في السّرّ» (التنوخي: نشوار المحاضرة ٣١٥: ٢). وفي أعقاب ذلك نقل ابن الجصّاص مركزه إلى بغداد حيث زادت ثروته واتّسع نفوذه. (راجع، المسعودي: مروج الذهب ١٣٩: ٥ - ١٤٠، ١٧٣؛ التنوخي: نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة ٢٥: ١ - ٣٧، ٣١٢: ٢ - ٣١٧؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٣٨٦: ١٢ - ٣٩١؛ ابن شاكر: فوات الوفيات ٣٧٢: ١ - ٣٧٦؛ المقريزي: المقفى الكبير ٥٢٠: ٣ - ٥٣٤؛ عبد العزيز الدوري: تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، بيروت - دار المشرق ١٩٧٤، ١٢٢ - ١٢٤؛ Pellat، Ch.، El ٢? art.Ibn al-Djass?s III، p. (٧٧٣. (١) ابن دقماق: الانتصار ٦٧: ٤. (٢) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٦١: ٣ - ٦٣.