وفي أيّامه كان «المجمع الثّالث من مجامع النصارى»، بسبب نسطورس بطرك قسطنطين، فإنّه منع أن تكون مريم أمّ عيسى، وقال: إنّما ولدت مريم إنسانا اتّحد بمشيئة الإله - يعني عيسى - فصار الاتّحاد بالمشيئة خاصّة لا بالذات، وإنّ إطلاق الإله على عيسى ليس هو بالحقيقة بل بالموهبة والكرامة. وقال: إنّ المسيح حلّ فيه الابن الأزلي، وإنّي أعبده لأنّ الإله حلّ فيه، وإنّه جوهران وأقنومان ومشيئة واحدة. وقال في خطبته يوم الميلاد: إنّ مريم ولدت إنسانا، وأنا لا أعتقد في ابن شهرين وثلاثة الإلهية، ولا أسجد له سجودي للإله. وكان هذا هو اعتقاد تادروس وديوادارس الأسقفين، وكان من قولهما: إنّ المولود من مريم هو المسيح، والمولود من الأب هو الابن الأزلي، وإنّه حلّ في المسيح فسمّي ابن اللّه بالموهبة والكرامة، وإنّ الاتّحاد بالمشيئة والإرادة، وأثبتوا للّه - تعالى عن قولهم - ولدين: أحدهما بالجوهر، والآخر بالنعمة.
فلمّا بلغ كرلّص بطرك الإسكندرية مقال نسطورس، كتب إليه يرجعه عنها، فلم يرجع.
فكتب إلى إكليمس بطرك روميّة، وإلى يوحنّا بطرك أنطاكية، وإلى يوناليوس أسقف القدس، يعرّفهم بذلك. فكتبوا بأجمعهم إلى نسطورس ليرجع عن مقالته، فلم يرجع. فتواعد البطاركة على الاجتماع بمدينة إفسس. فاجتمع بها مائتا أسقف، ولم يحضر يوحنّا بطرك أنطاكية، وامتنع نسطورس من المجيء إليهم بعد ما كرّروا الإرسال في طلبه غير مرّة، فنظروا في مقالته، وحرموه ونفوه. فحضر بعد ذلك يوحنّا، فعزّ عليه فصل الأمر قبل قدومه، وانتصر لنسطورس، وقال: قد حرموه بغير حقّ (١).
وتفرّقوا من إفسس على شرّ، ثم اصطلحوا، وكتب المشرقيّون صحيفة بأمانتهم وبحرمان نسطورس، وبعثوا بها إلى كرلّص. فقبلها، وكتب إليهم بأنّ أمانته على ما كتبوا. فكان بين المجمع الثّاني وبين هذا المجمع خمسون - وقيل خمس وخمسون - سنة.
وأمّا نسطورس فإنّه نفي إلى صعيد مصر، فنزل مدينة إخميم، وأقام بها سبع سنين، ومات فدفن بها. وظهرت مقالته، فقبلها برصوما أسقف نصيبين، ودان بها نصارى أرض فارس والعراق والموصل والجزيرة إلى الفرات، وعرفوا إلى اليوم ب «النسطوريّة»(٢).
(١) راجع عن مجمع إفسس الذي عقد سنة ٤٣١ م، ساويرس بن المقفع: كتاب المجامع ١٦٦ - ١٦٨؛ The Oxford Dictionary of Byzantium art.Ephesus، Council of I، p. ٧٠٧، Leslie W.Barnard، CE art. Ephesus، First Council of III، pp. ٩٥٩ - ٦٠. (٢) ابن البطريق: التاريخ المجموع ١٥٥: ١، ١٥٦ - ١٥٨، وانظر كذلك الشهرستاني: الملل والنحل ٢٠٥: ١ - ٢٠٦، Holmberg، B.، El ٢ art.Nasturiyyun VII،، pp. ١٠٣٢ - ٣٥ وانظر ردّ سعيد بن البطريق على النسطوريين في التاريخ المجموع ١٥٩: ١ - ١٧٦.