وقرّر في تدريس الحنفيّة بدر الدّين/ محمود بن محمد المعروف بالشّيخ زاده الخرزياني (١)، وفي تدريس المالكية شمس الدّين محمد بن (a) البساطي، وفي تدريس الحنابلة فتح الدّين أبا الفتح محمد بن نجم الدّين محمد بن الباهي (b)، وفي تدريس الحديث النبوي شهاب الدّين أحمد ابن عليّ بن حجر (٢)، وفي تدريس التّفسير شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدّين عبد الرحمن ابن البلقيني. فكان يجلس من ذكرنا واحدا بعد واحد في كلّ يوم إلى أن كان آخرهم شيخ التّفسير، فكان مسك الختام، وما منهم إلاّ من يحضر معه، ويلبسه ما يليق به من الملابس الفاخرة.
وقرّر عند كلّ من المدرّسين الستة طائفة من الطلبة، وأجرى لكلّ واحد ثلاثة أرطال من الخبز في كلّ يوم، وثلاثين درهما فلوسا في كلّ شهر، وجعل لكلّ مدرّس ثلاث مائة درهم في كلّ شهر (٣)، ورتّب بها إماما وقومة ومؤذّنين وفرّاشين ومباشرين، وأكثر من وقف الدّور عليها، وجعل فائض وقفها مصروفا لذرّيّته. فجاءت في أحسن هندام وأتمّ قالب وأفخر زيّ وأبدع رخام (c). إلاّ أنّها وما فيها من الآلات، وما وقف عليها، أخذ من الناس غصبا، وعمل فيها الصّنّاع بأبخس أجرة مع العسف الشّديد.
فلمّا قبض عليه السّلطان وقتله في جمادى الأوّل سنة اثنتي عشرة وثمان مائة (٢) واستولى على أمواله، حسّن جماعة للسّلطان أن يهدم هذه المدرسة، ورغّبوه في رخامها فإنّه غاية في الحسن؛ وأن يسترجع أوقافها فإنّ متحصّلها كثير، فمال إلى ذلك وعزم عليه. فكره ذلك (d) الرّئيس فتح الدّين فتح اللّه كاتب السّرّ، واستشفع أن يهتدّ بيت بني على اسم اللّه يعلن فيه بالأذان خمس مرّات في اليوم والليلة، وتقام به الصّلوات الخمس في جماعة عديدة، ويحضره في عصر كلّ يوم مائة وبضعة عشر رجلا يقرأون القرآن في وقت التّصوّف، ويذكرون اللّه ويدعونه، ويتحلّق به الفقهاء لتدريس (e) تفسير القرآن الكريم وحديث (f) رسول اللّه ﷺ وفقه الأئمّة الأربعة، ويعلّم فيه
(a) بياض في آياصوفيا وميونخ. (b) بولاق: الباهلي. (c) بولاق: نظام. (d) بولاق: فكرّه ذلك للسلطان. (e) بولاق: لدرس. (f) بولاق: وتفسير حديث. (١) توفي سنة ٨١٩ هـ/ ١٤١٦ م، (الصيرفي: نزهة النفوس ٣٧٣: ٢). (٢) هو شهاب الدّين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الحافظ المشهور. (٣) المقريزي: السلوك ٧٨: ٤.