للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولمّا دخل المعزّ لدين اللّه إلى مصر، ونزل بقصره من القاهرة المعزّيّة، أمر في رمضان سنة اثنتين وستين وثلاث مائة، فكتب على سائر الأماكن بمدينة مصر «خير النّاس بعد رسول اللّه / أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب » (١).

وفي صفر سنة خمس وستين وثلاث مائة، حضر (a) عليّ بن النّعمان القاضي بجامع القاهرة - المعروف بالجامع الأزهر - وأملى مختصر أبيه في الفقه عن أهل البيت، ويعرف هذا المختصر ب «الاقتصار»، وكان جمعا عظيما، وأثبت أسماء الحاضرين (٢).

ولمّا تولّى يعقوب بن كلّس الوزارة للعزيز باللّه نزار بن المعزّ، رتّب في داره العلماء من الأدباء والشّعراء والفقهاء والمتكلّمين، وأجرى لجميعهم الأرزاق، وألّف كتابا في الفقه، ونصب له مجلسا - وهو يوم الثلاثاء - يجتمع فيه الفقهاء وجماعة من المتكلّمين وأهل الجدل، ويجرى (b) بينهم المناظرات (٣).

وكان يجلس أيضا في يوم الجمعة، فيقرأ مصنّفاته على النّاس بنفسه، ويحضر عنده القضاة والفقهاء والقرّاء والنّحاة وأصحاب الحديث، ووجوه أهل العلم والشّهود، فإذا انقضى المجلس من القراءة، قام الشّعراء لإنشاد مدائحهم فيه، وجعل للفقهاء في شهر رمضان الأطعمة (٤).

وألّف كتابا في الفقه يتضمّن ما سمعه من المعزّ لدين اللّه ومن ابنه العزيز باللّه، وهو مبوّب على أبواب الفقه (٥)، يكون قدره مثل نصف «صحيح البخاري» ملكته ووقفت عليه، وهو يشتمل على فقه الطّائفة الإسماعيلية. وكان يجلس لقراءة هذا الكتاب على النّاس بنفسه، وبين يديه خواصّ النّاس وعوامّهم، وسائر الفقهاء والقضاة والأدباء وأفتى النّاس به، ودرسوا فيه بالجامع العتيق.

وأجرى العزيز باللّه لجماعة من الفقهاء، يحضرون مجلس الوزير ويلازمونه، أرزاقا تكفيهم في كلّ شهر، وأمر لهم ببناء دار إلى جانب الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة تحلّقوا فيه بعد الصّلاة إلى أن تصلّى صلاة العصر. وكان لهم من مال الوزير أيضا صلة في كلّ سنة، وعدّتهم


(a) بولاق: جلس.
(b) بولاق: تجري. - ١٠١: ٣؛ وفيما تقدم ٢٨٧: ٢.
(١) المقريزي: اتعاظ الحنفا ١٣٥: ١.
(٢) نفسه ٢٢٧: ١. وكتاب «الاقتصار»، نشره د. ميرزا، وصدر عن المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق سنة ١٩٥٧.
(٣) فيما تقدم ١٦: ٣.
(٤) فيما تقدم ١٦: ٣.
(٥) فيما تقدم ١٧: ٣.