وجاء إلى أهل المدينة من جميع الأمصار، فأتوا عثمان ﵁ في سنة خمس وثلاثين، وأعلموه ما أرسل به أهل الأمصار من شكوى عمّالهم. فبعث محمد بن مسلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعمّار بن ياسر إلى مصر، وعبد اللّه بن عمر إلى الشّام لكشف سير العمّال. فرجعوا إلى عثمان، إلاّ عمّارا، وقالوا: ما أنكرنا شيئا./ وتأخّر عمّار، فورد الخبر إلى المدينة بأنّه قد استماله عبد اللّه ابن السّوداء في جماعة. فأمر عثمان عمّاله أن يوافوه بالمواسم، فقدموا عليه واستشاروه، فكلّ أشار برأي. ثم قدم المدينة بعد الموسم، فكان بينه وبين عليّ بن أبي طالب كلام فيه بعض الجفاء بسبب إعطائه أقاربه، ورفعه لهم على ما سواهم.
وكان المنحرفون عن عثمان قد تواعدوا يوما يخرجون فيه بأمصارهم إذا سار عنها الأمراء، فلم يتهيّأ لهم الوثوب. وعند ما رجع الأمراء من الموسم، تكاتب المخالفون في القدوم إلى المدينة لينظروا فيما يريدون.
وكان أمير مصر من قبل عثمان ﵁ عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح العامري، فلمّا خرج في شهر رجب من مصر في سنة خمس وثلاثين، استخلف بعده عقبة بن عامر الجهني في قول اللّيث بن سعد. وقال يزيد بن أبي حبيب: بل استخلف على مصر السّائب بن هشام العامري، وجعل على الخراج سليم بن عنز التّجيبي.
(١) فانتزى محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، في شوّال من السنة المذكورة، وأخرج عقبة بن عامر من الفسطاط، ودعا إلى خلع عثمان ﵁ وأسعر البلاد، وحرّض على عثمان بكلّ شيء يقدر عليه. فكان يكتب الكتاب على لسان أزواج رسول اللّه ﷺ ويأخذ الرّواحل فيضمّرها، ويجعل رجالا على ظهور البيوت ووجوههم إلى وجه الشّمس لتلوّح وجوههم تلويح المسافر، ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق المدينة بمصر، ثم يرسلون رسلا يخبرون بهم النّاس ليلقوهم. وقد أمرهم إذا لقيهم النّاس أن يقولوا: ليس عندنا خبر، الخبر في الكتب. فيجيء رسول أولئك الذين دسّ فيذكر مكانهم، فيلقاهم ابن أبي حذيفة - والنّاس يقولون نتلقّى رسل أزواج رسول اللّه ﷺ فإذا لقوهم قالوا لهم: ما الخبر؟ قالوا: لا خبر عندنا، عليكم بالمسجد ليقرأ عليكم كتب (a) أزواج النّبيّ ﷺ. فيجتمع النّاس في المسجد
(a) بولاق: كتاب. (١) من هنا يتبع المقريزي نصّ الكندي في كتاب «ولاة مصر» في الفصل الذي سمّاه «انتزاء محمد بن أبي حذيفة».