للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فجمع الخليفة القادر الأشراف والقضاة، وأخرج إليهم رسالة تتضمّن: أنّ الإسفراييني أدخل على أمير المؤمنين مداخل أوهمه فيها النّصح والشّفقة والأمانة، وكانت على أصول الدّخل والخيانة. فلمّا تبيّن له أمره، ووضح عنده خبث اعتقاده، فيما سأل فيه من تقليد الباوردي (a) الحكم بالحضرة، من الفساد والفتنة والعدول بأمير المؤمنين عمّا كان عليه أسلافه من إيثار الحنفيّة وتقليدهم واستعمالهم، صرف الباوردي (a) وأعاد الأمر إلى حقّه، وأجراه على قديم/ رسمه، وحمل الحنفيّين على ما كانوا عليه من (b)) العناية والحراسة والإعزاز والكرامة (b)، وتقدّم إليهم بأن لا يلقوا أبا حامد، ولا يقضوا له حقّا، ولا يردّوا عليه سلاما. وخلع على أبي محمد الأكفاني، وانقطع أبو حامد عن دار الخلافة، وظهر التّسخّط عليه والانحراف عنه، وذلك في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة، واتّصل ببلاد الشّام ومصر.

وأوّل من قدم بعلم مالك إلى مصر عبد الرّحيم بن خالد بن يزيد أبو (c) يحيى، مولى جمح، وكان فقيها، روى عنه اللّيث وابن وهب ورشدين (d) بن سعد، وتوفي بالإسكندرية سنة ثلاث وستين ومائة. ثم نشره بمصر عبد الرّحمن بن القاسم، فاشتهر مذهب مالك بمصر أكثر من مذهب أبي حنيفة، لتوفّر أصحاب مالك بمصر. ولم يكن مذهب أبي حنيفة يعرف بمصر. قال ابن يونس: وقدم إسماعيل بن اليسع الكوفي قاضيا بعد ابن لهيعة، وكان من خير قضاتنا، غير أنّه كان يذهب إلى قول أبي حنيفة، ولم يكن أهل مصر يعرفون مذهب أبي حنيفة، وكان مذهبه إبطال الأحباس، فثقل أمره على أهل مصر، وسئموه (١).

ولم يزل مذهب مالك مشتهرا بمصر حتى قدم الشّافعيّ محمد بن إدريس إلى مصر، مع عبد اللّه بن العبّاس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، في سنة ثمان وتسعين ومائة. فصحبه من أهل مصر جماعة من أعيانها - كبني عبد الحكم، والرّبيع ابن سليمان، وأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزنيّ، وأبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطي - وكتبوا عن الشّافعي ما ألّفه، وعملوا بما ذهب إليه. ولم يزل أمر مذهبه يقوى بمصر، وذكره ينتشر (٢).


(a) بولاق: البارزي.
(b-b) بولاق: من العناية والكرامة والحرمة.
(c) بولاق: بن.
(d) بولاق: رشيد.
(١) ابن يونس: تاريخ (تاريخ الغرباء) ٣٨ - ٣٩؛ ابن حجر: رفع الإصر ٨٩.
(٢) الإمام محمد بن إدريس الشّافعي، أحد الأئمّة الأربعة عند أهل السّنّة، المتوفى بمصر سنة ٢٠٤ هـ/ ٨١٩ م. وهو مؤسّس علم أصول الفقه بكتابه الشهير «الرّسالة»، نشره أحمد محمد شاكر بالقاهرة سنة ١٩٣٩. وجاء مذهبه -