كالبطائح، ثم يجتمع الماء منها جاريا فيمر برمال هنالك وجبال، ويخرق أرض السّودان فيما يلي بلاد الزّنج، فيتشعّب منه خليج يصبّ في بحر الزّنج ويجري على وجه الأرض تسع مائة فرسخ وقيل ألف فرسخ في عامر وغامر من عمران وخراب، حتى يأتي أسوان من صعيد مصر (١).
وقال في كتاب هروشيوش: نهر النّيل مخرجه من ريف بحر القلزم، ثم يميل إلى ناحية الغرب، فيصير في وسطه جزيرة، وآخر ذلك يميل إلى ناحية الشّمال فيسقي أرض مصر. وقيل إنّ مخرجه من عين فيما يجاوز الجبل، ثم يغيب في الرّمال، ثم يخرج غير بعيد فيصير له محبس عظيم، ثم يساير البحر المحيط على قفار الحبشة، ثم يميل على اليسار إلى أرض مصر، فيحق ما يظنّ بهذا النّهر أنّه عظيم، إذ كان مجراه على ما حكيناه.
قال: ونهر النّيل وهو الذي يسمّى بأون (a) مخرجه خفيّ، ولكن ظاهر إقباله من أرض الحبشة، ويصير له هناك محبس عظيم مجراه إليه مائتا ميل. وذكر مخرجه حتى ينتهي إلى البحر.
قال: وكثيرا ما يوجد في نهر النّيل التّماسيح، وإقبال النّيل من أرض الحبشة ليس يختلف فيه أحد، وعدّة أمياله من مخرجه المعروف إلى موقفه مائة ألف وتسعون ألفا وتسع مائة وثلاثون ميلا. وماء النّيل عكر مرمّل عذب دفئ (٢). انتهى.
والنّيل إذا وصل إلى الجنادل كان عند انتهاء مراكب النّوبة انحدارا، ومراكب الصّعيد إقلاعا.
وهناك حجارة مضرّسة لا مرور للمراكب عليها إلاّ في أيّام زيادة النّيل، ثم يأخذ على الشّمال فيكون على شرقيه أسوان من الصّعيد الأعلى، ويمرّ بين جبلين يكتنفان أعمال مصر: أحدهما شرقي، والآخر غربي، حتى يأتي مدينة فسطاط مصر فيكون في برّه الشّرقي. فإذا تجاوز فسطاط مصر بمسافة يوم، صار فرقتين: فرقة تمرّ/ حتى تصبّ في بحر الرّوم عند دمياط، وتسمّى هذه
(a) الأصل: بارون. النص فيما وصل إلينا من كتاب «نزهة المشتاق» للإدريسي، فلم يرجع المقريزي مباشرة إلى كتاب «نزهة المشتاق» وإنما اقتبس ما نقله النويري في نهاية الأرب!، وانظر كذلك نفس النص عند السيوطي: حسن المحاضرة ٣٤٦: ٢ - ٣٤٧ (نقلا عن مباهج الفكر للوطواط الكتبي). (١) المسعودي: مروج الذهب ١١٢: ١، ١١٤. (٢) أوروسيوس: تاريخ العالم ٦١ - ٦٢، ٧٩ - ٨١ ومقدمة عبد الرحمن بدوي ٢٨ - ٢٩ حيث قارن بين نص المقريزي والأصل اللاتيني لبيان دقة الترجمة وصحة النقل.