للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قبلة»؛ على العموم. وهذا الحديث قد روي موقوفا على عمر وعثمان وعليّ وابن عبّاس ومحمد ابن الحنفيّة وروي عن أبي هريرة مرفوعا. قال أحمد ابن حنبل: هذا في كلّ البلدان، قال: هذا المشرق وهذا المغرب وما بينهما قبلة. قيل له: فصلاة من صلّى بينهما جائزة؟ قال: نعم، وينبغي أن يتحرّى الوسط. وقال أحمد بن خالد: قول عمر «ما بين المشرق والمغرب قبلة» قاله بالمدينة. فمن كانت قبلته مثل قبلة المدينة، فهو في سعة ممّا بين المشرق والمغرب. ولسائر البلدان من السّعة في القبلة مثل ذلك بين الجنوب والشّمال. وقال أبو عمر بن عبد البرّ: لا خلاف بين أهل العلم فيه.

قال كاتبه (a): إذا تأمّلت وجدت هذا الحديث يختصّ بأهل الشّام والمدينة، وما على سمت تلك البلاد شمالا وجنوبا فقط. والدّليل على ذلك أنّه يلزم من حمله على العموم إبطال التّوجّه إلى الكعبة في بعض الأقطار، واللّه سبحانه قد افترض على الكافّة أن يتوجّهوا إلى الكعبة في الصّلاة حيثما كانوا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [الآية ١٥٠ سورة البقرة].

وقد عرفت - إن كنت تمهّرت في معرفة البلدان وحدود الأقاليم - أنّ النّاس في توجّههم إلى الكعبة كالدّائرة حول المركز: فمن كان في الجهة الغربية من الكعبة، فإنّ جهة قبلة صلاته إلى المشرق. ومن كان في الجهة الشّرقية من الكعبة، فإنّه يستقبل في صلاته جهة المغرب. ومن كان في الجهة الشّمالية من الكعبة، فإنّه يتوجّه في صلاته إلى جهة الجنوب: ومن كان في الجهة الجنوبية من الكعبة، كانت صلاته إلى جهة الشّمال.

ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والجنوب، فإنّ قبلته فيما بين الشّمال والمغرب. ومن كان من الكعبة فيما بين الجنوب والمغرب، فإنّ قبلته فيما بين الشّمال والمشرق. ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والشّمال، فقبلته فيما بين الجنوب والمغرب. ومن كان من الكعبة فيما بين الشّمال والمغرب، فقبلته فيما بين الجنوب والمشرق.

فقد ظهر ما يلزم، من القول بعموم هذا الحديث، من خروج أهل المشرق السّاكنين به وأهل المغرب أيضا؛ عن التوجّه إلى الكعبة في الصّلاة عينا وجهة. لأنّ من كان مسكنه من البلاد ما هو في أقصى المشرق من الكعبة، لو جعل المشرق عن يساره والمغرب عن


(a) بولاق: مؤلفه.