للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسامتة الكعبة، وذلك كبلاد الشّام وديار مصر. فإنّ البلاد الشّاميّة لها جانبان، وخطّتها متّسعة مستطيلة في شمال مكّة، وتمتدّ أكثر من الجزء الخاصّ بها بالنسبة إلى مقدار بعدها عن الكعبة.

وفي هذين القطرين يجري ما تقدّم ذكره في أرض البجة. إلاّ أن التّيامن والتّياسر ظهوره في البلاد الشّامية أقلّ من ظهوره في أرض البجة، من أجل بعد البلاد الشّاميّة عن الكعبة وقرب أرض البجة./ وذلك أنّ البلاد الشّاميّة وقعت في متّسع الجزء الخاصّ بها، فلم يظهر أثر التّيامن والتّياسر ظهورا كثيرا كظهوره في أرض البجة، لأنّ البلاد الشّاميّة لها جانب شرقيّ وجانب غربيّ ووسط.

فجانبها الغربيّ هو أرض بيت المقدس وفلسطين إلى العريش أوّل حدّ مصر، وهذا الجانب من البلاد الشّاميّة يقابل الكعبة على حدّ مهبّ النّكباء التي بين الجنوب والصّبا. وأمّا جانب البلاد الشّاميّة الشّرقي فإنّه ما كان مشرقا من مدينة دمشق إلى حلب والفرات، وما يسامت ذلك من بلاد السّاحل، وهذه الجهة تقابل الكعبة مشرقا عن أوسط مهبّ الجنوب قليلا. وأمّا وسط بلاد الشّام فإنّها دمشق وما قاربها، وتقابل الكعبة على وسط مهبّ الجنوب، وهذا هو سمت مدينة رسول اللّه مع ميل يسير عنه إلى ناحية المشرق.

وأمّا مصر فإنّها تقابل الكعبة فيما بين الصّبا ومهبّ النّكباء التي بين الصّبا والجنوب. ولذلك لمّا اختلف هذان القطران - أعني مصر والشّام - في محاذاة الكعبة، اختلفت محاريبهما. وعلى ذلك وضع الصّحابة محاريب الشّام ومصر على اختلاف السّمتين. فأمّا مصر بعينها وضواحيها، وما هو في حدّها أو على سمتها، أو في البلاد الشّاميّة، وما في حدّها أو على سمتها، فإنّه لا يجوز فيها تصويب محرابين مختلفين اختلافا بيّنا.

فإن تباعد القطر عن القطر بمسافة قريبة أو بعيدة، وكان القطران على سمت واحد في محاذاة الكعبة، لم يضرّ حينئذ تباعدهما، ولا تختلف محاريبهما، بل تكون محاريب كلّ قطر منهما على حدّ واحد وسمت واحد، وذلك كمصر وبرقة وإفريقيّة وصقلّيّة والأندلس. فإنّ هذه البلاد، وإن تباعد بعضها عن بعض، فإنّها كلّها تقابل الكعبة على حدّ واحد، وسمتها جميعها سمت مصر من غير اختلاف ألبتّة. وقد تبيّن بما تقرّر حال الأقطار المختلفة من الكعبة في وقوعها منها.

وأمّا اختلاف محاريب مصر فإنّ له أسبابا: أحدها حمل كثير من النّاس قوله الذي رواه الحافظ أبو عيسى التّرمذي، من حديث أبي هريرة «ما بين المشرق والمغرب