للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الغربي قصبة أخرى إلى محاذاة السّطح، وجعل لها ممشاة من السّطح إليها يرتفق بها أهل السّطح، وعمّر غرفة السّاعات وحرّرت؛ فلم تزل مستمرّة إلى أثناء أيّام الملك المعزّ عزّ الدّين أيبك التّركماني، أوّل من ملك من المماليك، وجدّد بياض الجامع، وأزال شعثه، وجلّى عمده، وأصلح رخامه حتى صار جميعه مفروشا بالرّخام، وليس في سائر أرضه شيء بغير رخام حتى تحت الحصر (١).

ولمّا تقلّد قاضي القضاة تاج الدّين عبد الوهّاب بن الأعزّ أبي القاسم خلف بن رشيد/ الدّين محمود بن بدر المعروف بابن بنت الأعزّ العلائي الشّافعي (٢)، قضاء القضاة بالدّيار المصرية ونظر الأحباس في ولايته الثّانية أيّام الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، كشف الجامع بنفسه فوجد مؤخّره قد مال إلى بحريه، ووجد سوره البحري قد مال، وانقلب علوّه عن سمت سفله، ورأى في سطح الجامع غرفا كثيرة محدثة، وبعضها مزخرف. فهدم الجميع، ولم يدع بالسّطح سوى غرفة المؤذّنين القديمة وثلاث خزائن لرؤساء المؤذّنين لا غير. وجمع أرباب الخيرة، فاتّفق الرأي على إبطال جريان الماء إلى فوّارة الفسقيّة - وكان الماء يصل إليها من بحر النّيل - فأمر بإبطاله لما كان فيه من الضّرر على جدر الجامع، وعمّر بغلات بالزّيادة البحرية تشدّ جدار الجامع البحري، وزاد في عمد الزّيادة ما قوّى به البغلات المذكورة، وسدّ شبّاكين كانا في الجدار المذكور ليتقوّى بذلك، وأنفق المصروف على ذلك من مال الأحباس (٣).

وخشي أن يتداعى الجامع كلّه إلى السّقوط، فحدّث الصّاحب الوزير بهاء الدّين عليّ ابن محمد بن سليم بن حنّا في مفاوضة السّلطان في عمارة ذلك من بيت المال. فاجتمعا معا بالسّلطان الملك الظّاهر بيبرس، وسألاه في ذلك، فرسم بعمارة الجامع. فهدم الجدار البحري من مقدّم الجامع - وهو الجدار الذي فيه اللّوح الأخضر - وحطّ اللّوح، وأزيلت العمد والقواصر العشر، وعمّر الجدار المذكور، وأعيدت العمد والقواصر كما كانت، وزيد في العمد أربعة، قرن بها أربعة ممّا هو تحت اللّوح الأخضر والصّفّ الثّاني منه، وفصل اللّوح الأخضر أجزاء، وجدّد غيره وأذهب، وكتب عليه اسم السّلطان الملك الظّاهر، وجلّيت العمد كلّها، وبيّض الجامع بأسره - وذلك في شهر رجب سنة ستّ وستين وستّ مائة -


(١) ابن دقماق: الانتصار ٦٩: ٤.
(٢) انظر ترجمة عند، ابن حجر: رفع الإصر ٢٥٨ - ٢٦٣.
(٣) ابن دقماق: الانتصار ٦: ٤ - ٧٠.