ممرقا ينزل منه إلى بيت المال، وجعل للسّطح مطلعا (١) من الخزانة المستجدّة في ظهر المحراب الكبير، وجعل له مطلعا آخر من الدّيوان الذي في رحبة أبي أيّوب.
وفي شعبان من سنة خمس وأربعين وأربع مائة، بنيت المئذنة التي فيما بين مئذنة عرفة والمئذنة الكبيرة، على يد القاضي أبي عبد اللّه أحمد بن أبي زكريا (٢). انتهى ما ذكره القضاعي.
وفي سنة أربع وستين وخمس مائة تمكّن الفرنج من ديار مصر وحكموا في القاهرة حكما جائرا، وركبوا المسلمين بالأذى العظيم، وتيقّنوا أنّه لا حامي للبلاد من أجل ضعف الدّولة، وانكشفت لهم عورات النّاس. فجمع مرّى [Amaury] - ملك الفرنج - بالسّاحل جموعه، واستجدّ قوما قوّى بهم عساكره، وسار إلى القاهرة من بلبيس بعد أن أخذها، وقتل كثيرا من أهلها. فأمر شاور بن مجير السّعدي - وهو يومئذ مستول على ديار مصر وزارة للعاضد - بإحراق مدينة مصر. فخرّج إليها في اليوم التاسع من صفر من السنة المذكورة عشرون ألف قارورة نفط وعشرة آلاف مشعل مضرمة بالنيران، وفرّقت فيها. ونزل مرّى [Amaury] بجموع الفرنج على بركة الحبش، فلمّا رأى دخان الحريق تحوّل من بركة الحبش، ونزل على القاهرة ممّا يلي باب البرقيّة، وقاتل أهل القاهرة وقد انحشر النّاس فيها.
واستمرّت النّار في مصر أربعة وخمسين يوما، والنّهّابة تهدم ما بها من المباني، وتحفر لأخذ الخبايا إلى أن بلغ مرّى [Amaury] قدوم أسد الدّين شير كوه بعسكر من جهة الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي صاحب الشّام، فرحل في سابع شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، وتراجع المصريون شيئا بعد شيء إلى مصر، وتشعّث الجامع (٣).
فلمّا استبدّ السّلطان صلاح الدّين بمملكة مصر، بعد موت العاضد، جدّد الجامع العتيق بمصر في سنة ثمان وستين وخمس مائة، وأعاد صدر الجامع والمحراب الكبير، ورخّمه ورسم عليه اسمه، وجعل من (a) سقاية قاعة الخطابة قصبة إلى السّطح يرتفق بها أهل السّطح، وعمّر المنظرة التي تحت المئذنة الكبيرة وجعل لها سقاية، وعمّر في كتف دار عمرو الصّغرى البحري ممّا يلي
(a) بولاق: في. (١) ابن دقماق: الانتصار ٦٩: ٤، وانظر وصف ابن رستة لبيت المال بالجامع الكبير بفسطاط مصر في الأعلاق النفيسة ١١٦. (٢) نفسه ٦٩: ٤. (٣) انظر تفصيل ذلك فيما تقدم ١٤٢: ٢ - ١٤٦.