«ونحن لهذا العهد نرى أنّ العلم والتّعليم إنّما هو بالقاهرة من بلاد مصر، لما أنّ عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف من السّنين فاستحكمت فيها الصّنايع وتفنّنت، ومن جملتها تعليم العلم. وأكّد ذلك فيها وحفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السّنين في دولة التّرك من أيّام صلاح الدّين بن أيّوب وهلم جرّا … فاستكثروا من بناء المدارس والزّوايا والرّبط ووقفوا عليها الأوقاف المغلّة … فكثرت الأوقاف لذلك وعظمت الغلاّت والفوائد وكثر طالب العلم ومعلّمه بكثرة جرايتهم منها؛ وارتحل إليها النّاس في طلب العلم من العراق والمغرب ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت بحارها»(١).
وأكدّ ذلك في «التّعريف»، يقول في وصف المماليك حكّام مصر والشّام:
«أهل هذه الدّولة التّركية بمصر والشّام معنيّون - على القدم منذ عهد مواليهم ملوك بني أيّوب - بإنشاء المدارس لتدريس العلم، والخوانق لإقامة رسوم الفقراء في التّخلّق بآداب الصّوفيّة السّنّيّة في مطارحة الأذكار ونوافل الصّلوات، أخذوا ذلك عمّن قبلهم من الدّول الخلافيّة فيختطّون مبانيها ويقفون الأراضي المغلّة للإنفاق منها على طلبة العلم ومتدرّبي الفقراء …
واقتدى بسنّتهم في ذلك من تحت أيديهم من أهل الرّياسة والثّروة، فكثرت المدارس والخوانق بمدينة القاهرة وأصبحت معاشا للفقراء من الفقهاء والصّوفيّة، وكان ذلك من محاسن هذه الدّولة التّركية وآثارها الجميلة الخالدة» (٢).
ويصف لنا المقريزي - في الفصل الذي عقده لذكر المدارس مئة مدرسة يعمل بعضها منذ القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، وبعضها الآخر كان معطّلا وقت تدوينه لكتابه أو أنهي دوره قصدا مثل «المدرسة الأشرفيّة المستجدّة» التي بناها السّلطان الأشرف شعبان فوق
(١) ابن خلدون: المقدمة، تحقيق علي عبد الواحد وافي، القاهرة، ١٠٢٥: ٣. (٢) ابن خلدون: التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي، القاهرة ١٩٥١، ٢٧٩.