وما يميّز المدرسة عن الجامع هو توفير أماكن لإقامة الطّلبة وإعاشتهم؛ ويرى أحمد فكري أنّ المدرسة اتّخذت وظيفتها الرّئيسة من كونها أعدّت لسكنى الفقهاء لا من قاعات التّدريس والمدرّسين (١). وقد ساعدت هذه الوظيفة في رأي حسن الباشا على ظهور الطّراز المحوري وعلى إبدال أروقة المساجد بأواوين المدرسة؛ لأنّ الإيوان لا يشغل جانب الفناء كلّه، ومن ثم كان من الممكن بناء مساكن الطّلبة بين الأواوين وحول أركان الفناء. كما أنّ الإيوان، على عكس سقف رواق الجامع المسقوف، كان مرتفعا بحيث يمكن أن يعادل ارتفاع عدّة طوابق من المساكن، وخير مثال على ذلك هو جامع ومدرسة السّلطان حسن بالرّميلة التي احتفظت بجميع معالمها الأصلية تقريبا (٢).
وإلى أن ظهرت المدرسة في العمارة القاهرية كان الجامع لا يلحق به مدفن، لا للمنشئ ولا لغيره (٣)، ثم بدأت القباب تلحق بالمدارس وأقدم أنموذج لها هو «القبّة المنصورية» الملحقة بمدرسة المنصور قلاوون بالنّحّاسين بشارع المعزّ لدين اللّه (فيما يلي ٥١٦).
وكما رأينا فإنّ المقابر التي تعلوها «قبّة» عرفت في مصر قبل هذا التاريخ، ويرجع أقدمها إلى العصرين الإخشيدي والفاطمي: «مشهد آل طباطبا (٣٣٤ هـ/ ٩٤٣ م) و «القباب السّبع»(٤٠٠ هـ/ ١٠٠٩ م) و «المشهد الجيوشي»(٤٧٨ هـ/ ١٠٨٥ م)، و «قبّة يونس السّعدي (قبّة بدر الجمالي)» (٤٨٧ هـ/ ١٠٩٤ م). وأخذ نمط القبّة التي تعلو القبر في الانتشار في العصر الأيّوبي مع «قبّة الإمام الشّافعي»(٦٠٨ هـ/ ١٢١١ م)، و «قبّة الصّالح نجم الدّين أيّوب»(٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م)، و «قبّة شجر الدّرّ»(٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م). وهي عبارة عن منشآت مربّعة الشّكل تعلوها رقبة مثمّنة ترتكز عليها قبّة بيضويّة الشّكل ذات جدار رقيق تفتح فيه ثمانية شبابيك مستطيلة.
أمّا في العصر المملوكي فألحقت هذه القباب بالمدارس، وكانت تتّجه دائما تجاه القبلة - الأمر الذي يفسّر سبب بناء أغلب هذه المدارس على الجانب الغربي للشّارع الأعظم أو القصبة (القبّة المنصورية - المدرسة النّاصرية - المدرسة الظّاهرية الجديدة) وزاد ارتفاعها عن
(١) أحمد فكري: مساجد القاهرة ١٦٠: ٢، ١٦٣، وخصائص عمارة القاهرة في العصر الأيوبي ١٨٣ - ١٨٧. (٢) حسن الباشا: المرجع السابق ٥٥. (٣) انظر فيما تقدم ٤٢ *.