الملك النّاصر محمد بن قلاوون وينفّذ المهمّات، الأمر الذي أتاح له التّعرّف على القلعة وسائر منشآتها التي شيّدها على الأخصّ النّاصر محمد بن قلاوون. فالعمري يصف القصر الأبلق ب «القصر الأبلق النّاصري المستجدّ بناؤه»(١)، وجامع القلعة بأنّه «بناه هذا السّلطان - يعني النّاصر محمد بن قلاوون - بناء متّسع الأرجاء مرتفع البناء»(٢)، وختم حديثه عن القلعة بقوله:«هذه القصور والإيوان الكبير والميدان الأخضر والجامع وغالب العمائر الضّخمة بالقلّة والقلعة، عمارة هذا السّلطان وبناؤه مطرّزة الطّرز فيها بألقابه واسمه»(٣).
واعتمد على نصّ ابن فضل اللّه العمري كذلك اثنان من مؤرّخي القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، أحدهما معاصر للمقريزي هو شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن علي الفزاري المعروف بالقلقشندي، المتوفى سنة ٨٢١ هـ/ ١٤١٨ م، في كتاب «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»، والثّاني جلال الدّين عبد الرحمن بن أبي بكر السّيوطي، المتوفى سنة ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م، في كتاب «حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة». وتميّز نقل القلقشندي والسّيوطي عن ابن فضل اللّه العمري بالأمانة حيث نسبا إليه كلّ ما أخذاه عنه بحيث أمكن لنا التّعرّف على ما ذكره ابن فضل اللّه العمري وما أضافه القلقشندي نتيجة المشاهدة وما أضيف بالفعل من منشآت أو تغيّر من رسوم منذ عصر النّاصر محمد بن قلاوون الذي دوّن فيه ابن فضل اللّه العمري وصفه. أمّا المقريزيّ فإنّه لم يشر ألبتّة إلى ابن فضل اللّه العمري وكتابه «مسالك الأبصار» على امتداد الصّفحات التي خصّصها لوصف قلعة الجبل، رغم أنّه لم يتورّع أن ينسخ وصفه للقلعة وللخلع كلمة كلمة.
ويدفعنا ذلك إلى الحديث عن استخدام المقريزي للمصادر التي يفصله عنها ما بين خمسين وسبعين عاما، فهو لا يشير إليها إطلاقا أو يصرّح بانتظام بنقله عنها مثل مؤلّفات: ابن فضل اللّه العمري والنّويري والصّفدي وابن الفرات وابن دقماق والأوحدي، رغم معرفته التّامّة بها فكما قيل: المعاصرة حجاب؛ فحتّى شيخه عبد الرحمن بن خلدون، برغم اتّفاق كثير من نصوصه مع ما جاء في «مقدّمته»(فيما تقدم ٩٨: ١)، فإنّه لم يشر إليه في هذا المجلّد سوى في موضعين وعلى سبيل الاستشهاد الشّفوي (فيما يلي ٢٥٠، ٦٠٥).
(١) ابن فضل اللّه العمري: مسالك الأبصار ٨٠. (٢) نفسه ٨١. (٣) نفسه ٨٤.