السّموات سبعا، والأرضون سبعا، والمثاني من القرآن سبع آيات، ولم فجّرت العيون اثنتي عشرة عينا، ولم جعلت الشّهور اثني عشر شهرا، وما يعمل معكم علم (a) الكتاب والسّنّة، ومعاني الفرائض اللازمة؟ فكّروا أوّلا في أنفسكم: أين أرواحكم، وكيف صورها، وأين مستقرّها، وما أوّل أمرها، والإنسان ما هو، وما حقيقته، وما الفرق بين حياته وحياة البهائم، وفضل ما بين حياة البهائم وحياة الحشرات، وما الذي بانت به حياة الحشرات من حياة النّبات؟ وما معني قول رسول اللّه ﷺ:«خلقت حوّاء من ضلع آدم»؟ وما معنى قول الفلاسفة: الإنسان عالم صغير، والعالم إنسان كبير؟ ولم كانت قامة الإنسان منتصبة دون غيره من الحيوانات، ولم كان في يديه من الأصابع عشر، وفي رجليه عشر أصابع، وفي كلّ إصبع من أصابع يديه ثلاثة شقوق، إلاّ الإبهام فإنّ فيه شقّين فقط؟ ولم كان في وجهه سبع ثقوب وفي سائر بدنه ثقبان، ولم كان في ظهره اثنتا عشرة عقده وفي عنقه سبع عقد، ولم جعل رأسه (b) صورة ميم، ويداه حاء، وبطنه ميما، ورجلاه دالا، حتى سار ذلك كتابا مرسوما يترجم عن محمد؟ ولم جعلت قامته إذا انتصب صورة ألف، وإذا ركع صارت صورة لام، وإذا سجد صارت صورة هاء، فكان كتابا يدلّ على اللّه؟ ولم جعلت أعداد عظام الإنسان كذا، وأعداد أسنانه كذا، والأعضاء الرئيسة كذا؟ إلى غير ذلك من التّشريح والقول في العروق والأعضاء ووجوه منافع الحيوان.
ثم يقول الدّاعي: ألا تتفكّرون في حالكم وتعتبرون، وتعلمون أنّ الذي خلقكم حكيم غير مجازف، وأنّه فعل جميع ذلك لحكمة، وله فيها أسرار خفيّة حتى جمع ما جمع وفرّق ما فرّق؟ فكيف يسعكم الإعراض عن هذه الأمور وأنتم تسمعون قول اللّه ﷿: ﴿وَفِي اَلْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ * * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الآيتان ٢٠، ٢١ سورة الذاريات]، ﴿وَيَضْرِبُ اَللّهُ اَلْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الآية ٢٥ سورة إبراهيم]، ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي اَلْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ﴾ [الآية ٥٣ سورة فصلت].
فأيّ شيء رآه الكفّار في أنفسهم وفي الأفاق حتى عرفوا أنّه الحق؟ وأيّ حقّ عرفه من جحد الدّيانة؟ ألا يدلّكم هذا على أنّ اللّه جلّ اسمه أراد أن يرشدكم إلى بواطن الأمور الخفيّة، وأسرار فيها مكتومة لو تنبّهتم لها وعرفتموها لزالت عنكم كلّ حيرة، ودحضت كلّ شبه (a)، وظهرت لكم المعارف السّنيّة؟