ورووه حسب ما يلقّنوه (a) من غير تدبّر. والحقّ من وراء هذا، وكفاك بكتاب المعتضد من خلائف بني العبّاس حجّة، فإنّه كتب في شأن عبيد اللّه إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة بالقبض على عبيد اللّه.
فتفطّن - أعزّك اللّه - لصحّة هذا الشّاهد، فإنّ المعتضد لولا صحّة نسب عبيد اللّه عنده ما كتب لمن ذكرنا بالقبض عليه. إذ القوم حينئذ لا يدعون لدعيّ ألبتّة، ولا يذعنون له بوجه، وإنّما ينقادون لمن كان علويّا. فخاف ممّا وقع، ولو كان عنده من الأدعياء لما مرّ له بفكر، ولا خافه على ضيعة من ضياع الأرض.
وإنّما كان القوم - أعني بني عليّ بن أبي طالب - تحت ترقّب الخوف من بني العبّاس لتطلّبهم لهم في كلّ وقت، وقصدهم إياهم دائما بأنواع من العقاب، فصاروا ما بين طريد شريد وبين خائف يترقّب. ومع ذلك فإنّ لشيعتهم الكثيرة المنتشرة في أقطار الأرض، فيهم من المحبّة لهم والإقبال عليهم، ما لا مزيد عليه.
وتكرّر قيام الرّجال منهم مرّة بعد مرّة، والطّلب عليهم من ورائهم، فلاذوا بالاختفاء ولم يكادوا يعرفون، حتى سمّي (b) محمد بن إسماعيل الإمام، جدّ عبيد اللّه المهدي، بالمكتوم؛ سمّاه بذلك الشّيعة عند اتّفاقهم على إخفائه حذرا من المتغلّبين عليهم.
وكانت الشّيعة قد صاروا (c) فرقا: فمنهم من كان يذهب إلى أنّ الإمام من ولد جعفر الصّادق هو إسماعيل ابنه، وهؤلاء يعرفون من بين فرق الشّيعة ب «الإسماعيليّة» من أجل أنّهم يرون أنّ الإمام من بعد جعفر ابنه إسماعيل، وأن الإمام بعد إسماعيل بن جعفر الصّادق هو ابنه محمد المكتوم، وبعد محمد المكتوم ابنه جعفر المصدّق (d) ومن بعد جعفر المصدق (d) ابنه محمد الحبيب. وكانوا أهل غلوّ في دعاويهم في هؤلاء الأئمّة، وكان محمد بن جعفر هذا يؤمّل ظهوره، وأنّه يصير له دولة.
وكان باليمن من أهل هذا المذهب كثير بعدن وبإفريقيّة وفي كتامة ونفرة، تلقّوا ذلك من عهد جعفر الصّادق. فقدم على محمد بن جعفر - والد عبيد اللّه - رجل من شيعته باليمن، فبعث معه الحسين بن حوشب في سنة ثمان وستين ومائتين، فأظهرا أمرهما باليمن، وأشهرا الدّعوة في سنة سبعين، وصار لابن حوشب دولة بصنعاء (١)، وبثّ الدّعاة بأقطار
(a) بولاق: تلقوه. (b) بولاق: تسمى. (c) قد صاروا: ساقطة من بولاق. (d) بولاق: الصادق. (١) عن ابن حوشب والدعوة الإسماعيلية في اليمن راجع، القاضى النعمان: افتتاح الدعوة ٣٢ - ٦٣، ١٤٩ - ١٥٠؛