للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

في مكان معدّ لذلك بعد ما يخلّص ما فيه من الغدد، ويقطعه لهما، ويغسل الحوض ويملأه ماء، ثم يخرج ويرفع الباب من أعلاه. وقد عرف السّبع ذاك، فحال ما يرفع السّائس باب البيت، دخل إليه الأسد فأكل ما هيّئ له من اللّحم حتى يستوفيه، ويشرب من الماء كفايته.

فكانت هذه مملوءة من السّباع، ولهم أوقات يفتح فيها سائر بيوت السّباع، فتخرج إلى القاعة (a) وتتشمّس (b) فيها، وتمرح وتلعب ويهارش بعضها بعضا، فتقيم يوما كاملا إلى العشيّ، فيصيح بها السّوّاس، فيدخل كلّ سبع إلى بيته لا يتخطّاه إلى غيره. وكان من جملة هذه السّباع سبع أزرق العينين يقال له «زريق» قد أنس بخمارويه، وصار مطلقا في الدار لا يؤذي أحدا، ويقام له بوظيفته من الغذاء في كلّ يوم. فإذا نصبت مائدة خمارويه، أقبل زريق معها، وربض بين يديه، فرمى إليه بيده الدّجاجة بعد الدّجاجة، والفضلة الصّالحة من الجدي، ونحو ذلك ممّا على المائدة، فيتفكّه به. وكانت له لبوءة لم تأنس (c) كما أنس، فكانت مقصورة في بيت، ولها وقت معروف يجتمع معها فيه.

فإذا نام خمارويه جاء زريق ليحرسه، فإن كان قد نام على سرير ربض بين يدي السرير، وجعل يراعيه ما دام نائما، وإن كان إنّما نام على الأرض، بقي قريبا منه، وتفطّن لمن يدخل ويقصد خمارويه، لا يغفل عن ذلك لحظة واحدة. وكان على ذلك دهره، قد ألف ذلك ودرّب عليه، وكان في عنقه طوق من ذهب، فلا يقدر أحد أن يدنو من خمارويه ما دام نائما لمراعاة زريق له وحراسته إيّاه؛ حتى إذا شاء اللّه إنفاذ قضائه في خمارويه، كان بدمشق وزريق غائب عنه بمصر، ليعلم أنّه لا يغني حذر من قدر (١).

وبنى أيضا «دار الحرم»، ونقل إليها أمّهات أولاد أبيه مع أولادهن، وجعل معهنّ المعزولات من أمّهات أولاده، وأفرد لكلّ واحدة حجرة واسعة، نزل في كلّ حجرة منها بعد زوال دولتهم، قائد جليل فوسعته، وفضل عنه منها شيء. وأقام/ لكلّ حجرة، من الأنزال والوظائف الواسعة، ما كان يفضل عن أهلها منه شيء كثير؛ فكان الخدم الموكّلون بالحرم، من الطّبّاخين وغيرهم، يفضل لكلّ منهم - مع كثرة عددهم - بعد التوسّع في قوته، الزّلّة الكبيرة والتي فيها العدّة من


(a) النجوم: الرحبة.
(b) بولاق: وتتمشى.
(c) بولاق: تستأسن.
(١) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٥٦: ٣ - ٥٧.