اليقين في صدورها، ولا أن يقتصر على اللّمحة الدالّة في مخاطبة جمهورها، حتّى إذا استوت الأقدام بطوائف النّاس في فهم ما أمروا به وفقه ما دعوا إليه وصاروا فيه على كلمة سواء لا يعترضهم شكّ الشاكّين ولا استرابة المستريبين، اطمأنّت قلوبهم، وانشرحت صدورهم، وسقط الخلاف بينهم، واستمر الاتفاق فيهم، واستيقنوا أنهم مسوسون على استقامة من المنهاج، ومحروسون من جرائر الزّيغ والاعوجاج؛ فكان الانقياد منهم وهم دارون عالمون، لا مقلّدون مسلّمون؛ وطائعون مختارون، لا مكرهون ولا مجبرون.
وأمير المؤمنين يستمدّ اللّه تعالى في جميع أغراضه ومراميه، ومطالبه ومغازيه، مادّة من صنعه تقف به على سنن الصّلاح، وتفتح له أبواب النّجاح، وتنهضه بما أهّله لحمله من الأعباء التي لا يدّعي الاستقلال بها إلاّ بتوفيقه ومعونته، ولا يتوجه فيها إلاّ بدلالته وهدايته، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل.
وأمير المؤمنين يرى أنّ أولى الأقوال أن يكون سدادا، وأحرى الأفعال أن يكون رشادا، ما وجد له في السابق من حكم اللّه أصول وقواعد، وفي النّص من كتابه آيات وشواهد؛ وكان مفضيا بالأمة إلى قوام من دين ودنيا، ووفاق في آخرة وأولى، فذلك هو البناء الذي يثبت ويعلو، والغرس الذي ينبت ويزكو، والسّعي الذي تنجح مباديه وهواديه، وتبهج عواقبه وتواليه، وتستنير سبله لسالكيها، وتوردهم موارد السعود في مقاصدهم فيها، غير ضالّين ولا عادلين، ولا منحرفين ولا زائلين.
وقد جعل اللّه ﷿ لعباده من هذه الأفلاك الدائره، والنّجوم السائره، فيما تتقلّب عليه من اتّصال وافتراق، ويتعاقب عليها من اختلاف واتّفاق، منافع تظهر في كرور الشّهور والأعوام، ومرور اللّيالي والأيّام، وتناوب الضّياء والظلام، واعتدال المساكن والأوطان، وتغاير الفصول والأزمان، ونشء النّبات والحيوان، فما في نظام ذلك خلل، ولا في صنعة صانعه زلل، بل هو منوط بعضه ببعض، ومحوط من كلّ ثلمة ونقض، قال اللّه سبحانه: ﴿هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِياءً وَاَلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَاَلْحِسابَ ما خَلَقَ اَللّهُ ذلِكَ إِلّا بِالْحَقِّ﴾ [الآية ٥ سورة يونس]، وقال جلّ من قائل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اَللّهَ يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهارِ وَيُولِجُ﴾