للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

«ما أنتم في الأمم قبلكم إلاّ كالشّعرة البيضاء في الثّور الأسود، والشّعرة السّوداء في الثّور الأبيض».

وهذه نسبة من تدبّرها، وعرف مقدار عدد أهل الإسلام، ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض وأنّه الأكثر، علم أنّ للدنيا أمدا لا يعلمه إلاّ اللّه تعالى.

وكذلك قوله : «بعثت أنا والسّاعة كهاتين»، وضمّ أصبعيه المقدّستين السّبّابة والوسطى - وقد جاء النّصّ بأنّ السّاعة لا يعلم متى تكون إلاّ اللّه تعالى لا أحد سواه - فصحّ أنّه إنّما عنى شدّة القرب لا فضل السّبّابة على السّبّاحة، إذ لو أراد ذلك لأخذت نسبة ما بين الأصبعين ونسب من طول الأصبع، فكان يعلم بذلك متى تقوم السّاعة، وهذا باطل.

وأيضا فكان تكون نسبته إيّانا إلى من قبلنا بأنّنا كالشّعرة في الثّور كذبا - ومعاذ اللّه من ذلك - فصحّ أنّه إنّما أراد شدّة القرب.

وله منذ بعث أربع مائة (١) عام ونيّف، واللّه تعالى أعلم بما بقي للدنيا. فإذا كان هذا العدد العظيم لا نسبة له عند ما سلف، لقلّته وتفاهته بالإضافة إلى ما مضى، فهو الذى قاله من أنّنا فيمن مضى كالشّعرة في الثّور أو الرّقمة في ذراع الحمار.

وقد رأيت بخطّ الأمير أبي محمّد عبد اللّه بن النّاصر قال: حدّثني محمد بن معاوية القرشي أنّه رأى بالهند بدّا (a) له اثنتان وسبعون ألف سنة.

وقد وجد محمود بن سبكتكين بالهند مدينة يؤرّخون بأربع مائة ألف سنة.

قال أبو محمّد: إلاّ أنّ لكلّ ذلك أوّلا ولا بدّ ونهاية، لم يكن شيء من العالم موجودا قبله، ﴿لِلّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٢) [الآية ٤ سورة الروم].


(a) بولاق: بلدا.
(١) هذا كلام ابن حزم، حيث توفي سنة ٤٥٦ هـ/ ١٠٦٤ م.
(٢) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، القاهرة ١٣٢٠ هـ، ١٠٥: ٢ - ١٠٦.