للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وبلغت عدّة من قتل من فرسان الفرنج الخيّالة في هذه النّوبة ألفا وخمس مائة فارس، وأمّا الرّجّالة فإنّها كانت وصلت إلى الجسر لتعدّي، فلو تراخى الأمر حتى صاروا مع المسلمين لأعضل الدّاء. على أنّ هذه الواقعة كانت بين الأزقّة والدّروب، ولولا ضيق المجال لما أفلت من الفرنج أحد. فنجا من بقي منهم، وضربوا عليهم سورا، وحفروا خندقا. وصارت طائفة منهم في البرّ الشّرقي، ومعظمهم في الجزيرة المتّصلة بدمياط.

وكانت البطاقة عند الكبسة سرحت على جناح الطّائر إلى القاهرة، فانزعج الناس انزعاجا عظيما، ووردت السّوقة وبعض العسكر، ولم تغلق أبواب القاهرة ليلة الأربعاء.

وفي يوم الأربعاء سقط الطّائر بالبشارة بهزيمة الفرنج وعدّة من قتل منهم، فزيّنت القاهرة، وضربت البشائر بقلعة الجبل، وسار المعظّم توران شاه إلى دمشق فدخلها يوم السبت آخر شهر رمضان، واستولى على من بها. ولأربع مضين من شوّال سقط الطّائر بوصوله إلى دمشق، فضربت البشائر في العسكر بالمنصورة وفي قلعة الجبل.

وسار من دمشق لثلاث بقين منه، فتواترت الأخبار بقدومه، وخرج الأمير حسام الدين بن أبي عليّ إلى لقائه، فوافاه بالصّالحيّة لأربع عشرة بقيت من ذي القعدة، ومن يومئذ أعلن بموت الملك الصّالح، بعدما كان قبل ذلك لا ينطق أحد بموته ألبتّة، بل الأمور على حالها، والدّهليز السّلطانيّ بحاله، والسّماط على العادة، وشجر (a) الدّر أمّ خليل زوجة السّلطان تدبّر الأمور وتقول: السّلطان مريض ما إليه وصول. ثم سار من الصّالحيّة، فتلقّاه الأمراء والمماليك، واستقرّ بقصر السّلطنة من المنصورة يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي القعدة.

وفي أثناء هذه المدّة، عمل المسلمون مراكب وحملوها على الجمال إلى بحر المحلّة وألقوها فيه، وشحنوها بالمقاتلة. فعندما حاذت مراكب الفرنج بحر المحلّة - وتلك المراكب فيه مكمنة - خرجت عليهم، ووقعت (b) الحرب بينهما.

وقدم الأسطول الإسلاميّ من جهة المنصورة وأحاط بالفرنج، فطفر باثنين وخمسين مركبا للفرنج، وقتل/ وأسر منهم نحو ألف رجل. فانقطعت الميرة عن الفرنج، واشتدّ عندهم الغلاء، وصاروا محصورين.


(a) بولاق: شجرة.
(b) بولاق: وقع.