وأخذ الأمير فخر الدّين بتحليف العسكر للملك الصّالح، وابنه الملك المعظّم بولاية العهد من بعده؛ وللأمير فخر الدين بأتابكيّة العسكر والقيام بأمر الملك حتى حلّفهم كلّهم بالمنصورة وبالقاهرة في دار الوزارة عند الأمير حسام الدين بن أبي عليّ في يوم الخميس لاثنتي عشرة بقيت من شعبان. وكانت العلامات تخرج من الدّهاليز السّلطانيّة بالمنصورة إلى القاهرة بخطّ خادم يقال له سهيل، لا يشكّ من رآها أنّها خط السّلطان. ومشى ذلك على الأمير حسام الدين بالقاهرة.
ولم يتفوّه أحد بموت السّلطان، إلى أن كان يوم الاثنين لثمان بقين من شعبان، ورد الأمر إلى القاهرة بدعاء الخطباء في الجمعة الثانية للملك المعظّم بعد الدّعاء للسّلطان، وأن ينقش اسمه على السّكّة.
فلمّا علم الفرنج بموت السّلطان، خرجوا من دمياط بفارسهم وراجلهم - وشوانيهم تحاذيهم في البحر - حتى نزلوا فارسكور يوم الخميس لخمس بقين من شعبان فورد في يوم الجمعة من الغد كتاب إلى القاهرة من العسكر، أوّله: ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الآية ٤١ سورة التوبة]، وفيه مواعظ بليغة بالحثّ على الجهاد فقرئ على منبر جامع القاهرة وقد جمع النّاس لسماعه، فارتّجت القاهرة ومصر وظواهرهما بالبكاء والعويل، وأيقن النّاس باستيلاء الفرنج على البلاد لخلوّ الوقت من ملك يقوم بالأمر، لكنّهم لم يهنوا،/ وخرجوا من القاهرة ومصر وسائر الأعمال، فاجتمع عالم عظيم.
فلمّا كان يوم الثلاثاء أوّل شهر رمضان، اقتتل المسلمون والفرنج، فاستشهد العلائي أمير مجلس وجماعة، ونزل الفرنج شارمساح. وفي يوم الاثنين سابعه نزلوا البرمون، فاضطرب الناس وزلزلوا زلزالا شديدا لقربهم من العسكر. وفي يوم الأحد ثالث عشره، وصلوا تجاه المنصورة، وصار بينهم وبين المسلمين بحر أشموم وخندقوا عليهم، وأداروا على خندقهم سورا ستروه بكثير من السّتائر، ونصبوا المجانيق ليرموا بها على المسلمين، وصارت شوانيهم بإزائهم في بحر النّيل، وشواني المسلمين بإزاء المنصورة، والتحم القتال برّا وبحرا. وفي سادس عشره، نفر إلى المسلمين ستة خيّالة أخبروا بمضايقة الفرنج. وفي يوم عيد الفطر أسروا من الفرنج كند (١) من أقارب الملك.
(١) لعل المقصود كونت Comte وهو أحد الألقاب الشرقية لطائفة النبلاء في فرنسا.