وفي يوم السّبت غد ورود الفرنج (a) وضربوا خيامهم في أكثر البلاد التي فيها عساكر المسلمين، وكانت خيمة الملك ريدا فرنس (b) حمراء. فناوشهم المسلمون القتال، واستشهد يومئذ الأمير نجم الدين يوسف ابن شيخ الإسلام، والأمير صارم الدين أزبك الوزيري.
فلمّا أمسى اللّيل، رحل الأمير فخر الدين يوسف ابن شيخ الشّيوخ بعساكر المسلمين جبنا وصلفا، وسار بهم في برّ دمياط، وسار إلى جهة أشموم طناح. فخاف من كان في مدينة دمياط وخرجوا منها على وجوههم في الليل لا يلتفتون إلى شيء، وتركوا المدينة خالية من الناس، ولحقوا بالعسكر في أشموم وهم حفاة عرايا جياع حيارى، بمن معهم من النّساء والأولاد، ومرّوا هاربين إلى القاهرة فأخذ منهم قطّاع الطّريق ما عليهم من الثّياب/ وتركوهم عرايا.
فشنعت القالة على الأمير فخر الدين من كلّ أحد وعدّ جميع ما نزل بالمسلمين من البلاء بسبب هزيمته، فإنّ دمياط كانت مشحونة بالمقاتلة والأزواد العظيمة والأسلحة وغيرها، خوفا أن يصيبها في هذه المدّة ما أصابها في أيّام الكامل، فإنّه ما أتى عليها ذاك إلاّ من قلّة الأقوات بها، ومع ذلك امتنعت من الفرنج أكثر من سنة حتى فني أهلها كما تقدّم، ولكن اللّه يفعل ما يريد.
ولمّا أصبح الفرنج يوم الأحد لسبع بقين من صفر، قصدوا دمياط، فإذا أبواب المدينة مفتّحة ولا أحد يدفع عنها، فظنّوا أنّ ذلك مكيدة، وتمهّلوا حتى ظهر لهم خلوّها فدخلوا إليها من غير مانع ولا مدافع، واستولوا على ما بها من الأسلحة العظيمة وآلات الحرب والأقوات الخارجة عن الحدّ في الكثرة والأموال والأمتعة، صفوا بغير كلفة، فأصيب الإسلام والمسلمون ببلاء لولا لطف اللّه لمحي اسم الإسلام ورسمه بالكليّة.
وانزعج الناس في القاهرة ومصر انزعاجا عظيما لما نزل بالمسلمين مع شدّة مرض السّلطان وعدم حركته. وأمّا السّلطان فإنّه اشتدّ حنقه على الأمير فخر الدين وقال: أما قدرت أنت والعساكر أن تقفوا ساعة بين يدي الفرنج، وأقام عليه القيامة، لكن الوقت لم يكن يسع غير الصّبر والإغضاء. وغضب على الكنانيين الذين كانوا بدمياط ووبّخهم فقالوا: ما نعمل إذا كانت عساكر السّلطان بأجمعهم وأمراؤهم (c) هربوا وأحرقوا (d) الزّردخانات، كيف لا نهرب نحن؟ فأمر بشنقهم لكونهم خرجوا من دمياط بغير إذن. وكانت عدّة من شنق من الأمراء الكنانية زيادة على خمسين أميرا في ساعة واحدة، ومن جملتهم أمير جسيم له ابن جميل، سأل أن يشنق قبل ابنه،