ورحل الفرنج إلى بلادهم، وعاد السّلطان إلى مقرّ ملكه. وأطلقت الأسرى من ديار مصر، وكان فيهم من له من أيّام السّلطان صلاح الدين يوسف. وسارت ملوك الشّام بعساكرها إلى بلادها.
وعمّت بشارة أخذ المسلمين مدينة دمياط من الفرنج سائر الآفاق، فإنّ التّتر كانوا قد استولوا على ممالك المشرق، فأشرف الفرنج على أخذ ديار مصر من أيدي المسلمين.
وكانت مدّة نزول الفرنج على دمياط، إلى أن أقلعوا عنها سائرين إلى بلادهم، ثلاث سنين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما، منها مدّة استيلائهم على مدينة دمياط سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرون يوما (١).
فلمّا كان في سنة ستّ وأربعين وستّ مائة، حدث بالسّلطان الملك الصّالح نجم الدين أيّوب ابن الملك الكامل محمد ورم في مأبضه تكوّن منه ناصور فتح وعسر برؤه، فمرض من ذلك، وانضاف إليه قرحة في الصّدر، فلزم الفراش، إلاّ أنّ علوّ همّته اقتضى مسيره من ديار مصر إلى الشّام. فسار في محفّة ونزل بقلعة دمشق، فورد عليه رسول الإمبراطور ملك الفرنج الألمانية بجزيرة صقلّيّة في هيئة تاجر، وأخبره سرّا بأنّ بواش الذي يقال له «ريدا فرنس» (a) (٢) عازم على المسير إلى أرض مصر وأخذها.
(a) بولاق: رواد فرنس. (١) راجع عن هذه الحملة أيضا، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٣٢٣: ١٢ - ٣٣١. (٢) ريدا فرنس أو رواد فرنس أي Roi de France صيغ استخدمها المؤرخون العرب للتعبير عن ملك فرنسا والمقصود هنا هو لويس التاسع Louis IX (تذكره المصادر العربية باسم بواش) الذي قاد حملة على السواحل المصرية عند دمياط في زمن الصالح نجم الدين أيوب تعرف بالحملة الصليبية السابعة، وأضاف المقريزي في السلوك ٣٣٣: ١ «ريدا فرنس - ويقال له الفرنسيس واسمه لويس بن لويس - وريدا فرنس لقب بلغة الفرنج معناه ملك إفرنس»، وريد تعني ملك بالفرنسية القديمة؛ وانظر كذلك الصفدي: الوافي بالوفيات ٣١٣: ١٠ - ٣١٦؛ ابن شاكر: فوات الوفيات ٢٣١: ١ - ٢٣٣؛ أبا المحاسن: المنهل الصافي ٤٣٩: ٣ - ٤٤٢ وثلاثتهم ترجموه تحت اسم: بواش؛ ولتفاصيل أكثر راجع، محمد مصطفى زيادة: حملة لويس التاسع على مصر وهزيمته في المنصورة، القاهرة ١٩٦١؛ جوزيف نسيم يوسف: العدوان الصليبي على مصر - هزيمة لويس التاسع في المنصورة وفارسكور، الإسكندرية ١٩٨٤؛ Joinville، Histoire de Saint Louis، ed.N.de Wailly، Paris ١٨٧٤; Gabrieli، Fr.، Chroniques arabes des Croisades،.Paris، sindbad-Actes sud، ١٩٩٦، pp. ٣١٤ - ٣١