فورثت أولاد يهوذا رياسة الأسباط من بعده. إلى أن أرسل اللّه تعالى موسى بن عمران بن قاهاث ابن لاوي بن يعقوب إلى فرعون، بعد وفاة يوسف بن يعقوب ﵉ بمائة وأربع وأربعين سنة، وهم رؤساء الأسباط.
فلمّا نجّى اللّه موسى وقومه بعد غرق فرعون ومن معه، رتّب ﵇ بني إسرائيل الاثني عشر سبطا أربع فرق، وقدّم على جميعهم سبط يهوذا. فلم يزل سبط يهوذا مقدّما على سائر الأسباط أيّام حياة موسى ﵇ وأيّام حياة يوشع بن نون. فلمّا مات يوشع سأل بنو إسرائيل اللّه تعالى، وابتهلوا إليه في قبّة الشّمشار أن يقدّم عليهم واحدا منهم، فجاء الوحي من اللّه بتقديم عثنيآل بن قناز من سبط يهوذا، فتقدّم على سائر الأسباط، وصار بنو يهوذا مقدّمين على سائر الأسباط من حينئذ إلى أن ملّك اللّه على بني إسرائيل نبيّه داود - وهو من سبط يهوذا - فورث ملك بني إسرائيل من بعده ابنه سليمان بن داود، ﵉. فلمّا مات سليمان افترق ملك بني إسرائيل من بعده، وصار لمدينة شمرون - التي يقال لها اليوم نابلس - عشرة أسباط، وبقي بمدينة القدس سبطان: هما سبط يهوذا، وسبط بنيامين.
وكان يقال لسكّان شمرون «بنو إسرائيل»، ويقال لسكّان القدس «بنو يهوذا»، إلى أن انقرضت دولة بني إسرائيل من مدينة شمرون بعد مائتين وإحدى وخمسين سنة، فصاروا كلّهم بالقدس تحت طاعة الملوك من بني يهوذا إلى أن قدم بخت نصّر وخرّب القدس، وجلاّ جميع بني إسرائيل إلى بابل، فعرفوا هناك بين الأمم ب «بني يهوذا».
واستمرّ هذا سمة لهم بين الأمم بعد ذلك، إلى أن/ جاء اللّه بالإسلام، فكان يقال للواحد منهم «يهوذي» بذال معجمة نسبة إلى سبط يهوذا، وتلاعب العرب بذلك على عادتهم في التّلاعب بالأسماء المعجمة، وقالوها بدال مهملة، وسمّوا طائفة بني إسرائيل «اليهود»، وبهذ اللغة نزل القرآن. ويقال إنّ أوّل من سمّى بني إسرائيل «اليهود» بخت نصّر (١)، ﴿وَاَللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الآية ٢١٦، ٢٣٢ سورة البقرة، والآية ٦٦ سورة آل عمران، والآية ١٩ سورة النور].
(١) رجّح القلقشندي أنّ اشتقاق كلمة «يهود» من قولهم: هاد إذا رجع. ولزمهم هذا الاسم من قول موسى ﵇: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [الآية ١٥٦ سورة الأعراف]، أي رجعنا وتضرّعنا. (القلقشندي: صبح الأعشى ٢٥٣: ١٣).