للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وتفطّن لشيء آخر، وهو أنّ القبط ما برحوا، كما تقدّم، يثبون (a) لمحاربة المسلمين دالّة منهم بما هم عليه من القوّة والكثرة. فلمّا أوقع بهم المأمون الوقعة التي قلنا،/ غلب المسلمون على أماكنهم من القرى لما قتلوا منهم وسبوا، وجعلوا عدّة من كنائس النّصارى مساجد.

وكنائس النّصارى مؤسّسة على استقبال المشرق واستدبار المغرب، زعما منهم أنّهم أمروا باستقبال مشرق الاعتدال، وأنّه الجنّة لطلوع الشّمس منه. فجعل المسلمون أبواب الكنائس محاريب عندما غلبوا عليها وصيّروها مساجد، فجاءت موازية لخطّ نصف النّهار، وصارت منحرفة عن محاريب الصّحابة انحرافا كثيرا يحكم بخطئها وبعدها عن الصّواب كما تقدّم.

السّبب الثّالث: تساهل كثير من النّاس في معرفة أدلّة القبلة، حتى إنّك لتجد كثيرا من الفقهاء لا يعرفون منازل القمر صورة وحسابا، وقد علم من له ممارسة بالرّياضيات أنّ بمنازل القمر يعرف وقت السّحر وانتقال الفجر في المنازل، وناهيك بما يترتّب على معرفة ذلك من أحكام الصّلاة والصّيام. وهذه المنازل التي للقمر من بعض ما يستدلّ به على القبلة والطّرقات، وهي من مبادئ العلم وقد جهلوه، فمن أعوزه الأدنى أحر به (b) أن يجهل ما هو أعلى منه وأدقّ.

السّبب الرّابع: الاعتذار بنجم سهيل، فإنّ كثيرا ما يقع الاعتذار عن مخالفة محاريب المتأخّرين بأنّها بنيت على مقابلة سهيل، ومن هنا يقع الخطأ. فإنّ هذا أمر يحتاج فيه إلى تحرير، وهو أنّ دائرة سهيل مطلعها جنوب مشرق الشّتاء قليلا، وتوسّطها في أوسط الجنوب، وغروبها يميل عن أوسط الجنوب قليلا. فلعلّ من تقدّم من السّلف أمر ببناء المساجد في القرى على مقابلة مطالع سهيل - ومطلعه في سمت قبلة مصر تقريبا - فجهل من قام بأمر البنيان فرق ما بين مطالع سهيل وتوسّطه وغروبه، وتساهل فوضع المحراب على مقابلة توسّط سهيل - وهو أوسط الجنوب - فجاء المحراب حينئذ منحرفا عن السّمت الصّحيح انحرافا لا يسوّغ التّوجّه إليه ألبتّة.

السّبب الخامس: أنّ المحاريب الفاسدة بديار مصر أكثرها في البلاد الشّمالية التي تعرف بالوجه البحري. والذي يظهر أنّ الغلط دخل على من وضعها من جهة ظنّه أنّ هذه البلاد لها حكم بلاد الشّام. وذلك أنّ بلاد مصر التي في السّاحل كثيرة الشّبه ببلاد الشّام في كثرة أمطارها وشدّة بردها وحسن فواكهها، فاستطرد الشّبه حتى في المحاريب ووضعها على سمت المحاريب الشّامية، فجاء شيئا خطأ.


(a) بولاق: يثبتون.
(b) بولاق: فحريه.