قد أسمن نفسه وأهزل فرسه. فإذا حمض اللّبن، وكثر الذّباب، ولوى العود، فارجعوا إلى قيروانكم (١).
وعن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميري، عن بحير بن ذاخر المعافري، قال: رحت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة تهجيرا - وذلك بعد حميم النّصاري بأيّام يسيرة - فأطلنا الرّكوع، إذ أقبل رجال بأيديهم السّياط يزجرون النّاس، فذعرت؛ فقلت: يا أبت من هؤلاء؟ فقال: يا بنيّ هؤلاء الشّرط. فأقام المؤذّنون الصّلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر. فرأيت رجلا ربعة، قصد (a) القامة، وافر الهامة، أدعج أبلج، عليه ثياب موشّاة كأنّ به العقيان تأتلق، عليه حلّة وعمامة وجبّة، فحمد اللّه وأثنى عليه حمدا موجزا، وصلّى على النّبي ﷺ، ووعظ النّاس وأمرهم ونهاهم؛ فسمعته يحضّ على الزّكاة وصلة الأرحام، ويأمر بالاقتصاد، وينهى عن الفضول وكثرة العيال، وإخفاض الحال في ذلك، فقال:
«يا معشر النّاس إيّاكم وخلالا أربعا، فإنّها تدعو إلى النّصب بعد الرّاحة، وإلى الضّيق بعد السّعة، وإلى الذّلّة بعد العزّة. إيّاكم وكثرة العيال، وإخفاض الحال، وتضييع المال، والقيل بعد القال في غير درك ولا نوال. ثم إنّه لا بد من فراغ يؤول إليه المرء في توديع جسمه، والتّدبير لشأنه، وتخليته بين نفسه وبين شهواتها. ومن صار إلى ذلك، فليأخذ بالقصد والنّصيب الأقلّ، ولا يضع (b) المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه، فيحوز (c) من الخير عاطلا، وعن حلال اللّه وحرامه غافلا.
يا معشر النّاس إنّه قد تدلّت الجوزاء، وذكت (d) الشّعرى، وأقلعت السّماء، وارتفع الوباء، وقلّ النّدى، وطاب المرعى، ووضعت الحوامل، ودرجت السّخائل، وعلى الراعي بحسن رعيّته حسن النّظر. فحيّ لكم - على بركة اللّه تعالى - إلى ريفكم، فنولوا (e) من خيره ولبنه وخرافه وصيده، وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها، فإنّها جنّتكم من عدوّكم،
(a) بولاق: قصير. (b) بولاق: يضيع. (c) بولاق: فيجوز. (d) بولاق: ذلت. (e) في النسخ: فنالوا. (١) ابن عبد الحكم: فتوح مصر ١٣٩.