للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

من العربان. فوجدوا طائفة من التّتر مستأمنين وقد عزموا على قصد السّلطان بمصر.

وذلك أنّ الملك بركة خان ملك التّتر كان قد بعثهم نجدة لهولاكو، فلمّا وقع بينهما كتب إليهم بركة يأمرهم بمفارقة هولاكو والمصير إليه، فإن تعذّر عليهم ذلك صاروا إلى عسكر مصر، فإنّه كان قد ركن إلى الملك الظّاهر، وتردّدت القصّاد بينهم بعد واقعة بغداد ورحيل هولاكو عن حلب، فاختلف هولاكو مع ابن عمّه بركة خان وتواقعا، فقتل ولد هولاكو في المصافّ، وانهزم عسكره، وفرّ إلى قلعة في بحيرة أذربيجان.

فلمّا وردت الأخبار بذلك إلى مصر، كتب السّلطان إلى نوّاب الشّام بإكرامهم وتجهيز الإقامات لهم، وبعث إليهم بالخلع والإنعامات فوصلوا إلى ظاهر القاهرة - وهم نيّف على مائتي فارس بنسائهم وأولادهم - في يوم الخميس رابع عشرين ذي الحجّة سنة ستين وستّ مائة. فخرج السّلطان يوم السبت سادس عشرينه إلى لقائهم بنفسه ومعه العساكر، فلم يبق أحد حتى خرج لمشاهدتهم، فاجتمع عالم عظيم تبهر رؤيتهم العقول، وكان يوما مشهودا. فأنزلهم السّلطان في دور كان قد أمر بعمارتها من أجلهم في أراضي اللّوق، وعمل لهم دعوة عظيمة هناك، وحمل إليهم الخلع والخيول والأموال.

وركب السّلطان إلى الميدان، وأركبهم معه للعب الأكرة، وأعطى كبراءهم أمريات: فمنهم من عمله أمير مائة، ومنهم دون ذلك، ونزل بقيتهم من جملة البحريّة، وصار كلّ منهم من سعة الحال كالأمير في خدمته الأجناد والغلمان وأفرد لهم عدّة جهات برسم مرتّبهم، وكثرت نعمهم، وتظاهروا بدين الإسلام.

فلمّا/ بلغ التّتار ما فعله السّلطان مع هؤلاء، وفد عليه منهم جماعة بعد جماعة، وهو يقابلهم بمزيد الإحسان. فتكاثروا بديار مصر، وتزايدت العمائر في اللّوق وما حوله، وصار هناك عدّة أحكار عامرة آهلة، إلى أن خربت شيئا بعد شيء وصارت كيمانا، وفيها ما هو عامر إلى يومنا هذا.

ولمّا قدمت رسل القان بركة في سنة إحدى وستين وستّ مائة (a)، أنزلهم السّلطان الملك الظّاهر باللّوق، وعمل لهم فيه مهمّا، وصار يركب في كلّ سبت وثلاثاء للعب الأكرة باللّوق في الميدان (١).


(a) بولاق: وسبع مائة.
(١) انظر فيما يلي ٦٢٨.
ولعبة الكرة (الأكرة) التي تكرّر ذكرها في مواضع -