فلماذا عمم الحكم فيمن مات فجأة، وغيره، مع ما يمكن أن يقال: باختصاص الحكم بمن مات فجأة لعذره بمباغتة الموت له، وعدم إتاحة الفرصة له ليوصي، فتقبل الصدقة عنه وبعد موته، وأما غيره فقد مات مصرا على ترك الوصية، رغم نزول أسباب الموت به، فليس له نية في الخير، ترى إلى قول سعد معتذرا عن أمه، شاهدا لها بحب الخير، ورغبتها في فعله:"إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت".
فالقياس يقتضي التفرقة بينهما، والنص ورد في أحدهما، فما كان ينبغي له التعميم في الحكم على خلاف أصله في منع القياس مطلقاً وبالأخص مع وجود الفارق.
السابع: أن الحديث دليل للجمهور في القول بعدم وجوب الوصية، وحجة على من قال بوجوبها كما سبق؛ لأنه ﷺ لم ينكر ترك أم سعد للوصية حين أخبره بذلك ولدها، ولو كانت واجبة لأنكر تركها (١).
الثامن: على تسليم دلالة الحديث على وجوب إخراج الوصية من غير إيصاء فهو معارض بما سبق من أدلة الجمهور، فتقدم عليه لوضوح دلالتها وكثرة عددها، بناء على الصحيح عند الأصوليين من الترجيح بكثرة الرواة وكثرة الأدلة.
٣ - ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال للنبي ﷺ: إن أبي مات وترك مالا، ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال:«نعم»(٢).
قال ابن حزم: " فهذا إيجاب للوصية، ولأن يتصدق عمن لم يوص ولا بد؛ لأن التكفير لا يكون إلا في ذنب، فبين النبي ﷺ أن ترك الوصية
(١) انظر: فتح الباري، مرجع سابق، ٥/ ٣٩٠. (٢) سبق تخريجه برقم (٤٣).