والاختيار إنما يكون في الإيصاء دون الوراثة؛ لأن الوراثة جَبْرية لا اختيار فيها، فاشتُرط الإيصاء حتى يتحقق الاختيار في حال الحياة؛ إذ إن بعد الموت ليس هناك مجال للاختيار (١).
٥ - قال ابن الهمام:" لأن هذه بين عقوبة وعبادة، فما كان عبادة فشرط إجزائها النية ليتحقق أداؤها مختارا، فيظهر اختياره الطاعة من اختياره المعصية الذي هو المقصود من التكليف، وفعل الوارث من غير أمر المبتلى بالأمر والنهي لا يحقق اختياره، بل لما مات من غير فعل ولا أمر به فقد تحقق عصيانه بخروجه من دار التكليف ولم يمتثل، وذلك يقرر عليه موجب العصيان؛ إذ ليس فعل الوارث الفعل المأمور به فلا يسقط به الواجب، كما لو تبرع به حال حياته وما كان فيها مع ذلك معنى العقوبة، فلا يخفى أنه فات فيه الأمران؛ إذ لم يتحقق إيقاع ما يستشقه منه ليكون زاجرا له "(٢).
واستدل من أوجب الإطعام ولو لم يوص بما يلي:
١ - حديث ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: "إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: "نعم، فدين الله أحق أن يقضى " (٣).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ شبه الصوم بالدين، والدين يجب قضاؤه عن الميت أوصى أو لم يوص، فكذا بدله وهو الإطعام.
٢ - القياس على الحج، وذلك أنه يحج عمن لم يحج أوصى أو لم يوص.
٣ - أن الإطعام فيه حق لله وحق للآدمي، وحق العبد الواجب وصوله
(١) البدائع ١/ ١٠٣، الهداية مع الفتح ٢/ ٣٥٨، تبيين الحقائق ١/ ٣٣٥، البناية ٣/ ٣٦١. (٢) فتح القدير، مرجع سابق، ٢/ ٣٥٩. (٣) سبق تخريجه برقم (٢٨٧).