غدا (١) قوم وهنتهم الحمى فلقوا منها شدة فجلسوا مما يلي الحجر فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا أربعا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم فقال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أجلد من كذا وكذا قال ابن عباس، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم (٢).
وأجاب عنه الأصحاب كما في المجموع بأنه كان في عمرة القضاء سنة سبع والأول في حجة الوداع سنة عشر فكان العمل به أولى لتأخره وإنما شرع الرمل مع زوال سببه، وهو إظهار القوة للكفار; لأن فاعله يستحضر به سبب ذلك، وهو ظهور أمرهم فيتذكر نعمة الله تعالى على إعزاز الإسلام وأهله، ويكره تركه كما نقل عن النص والمبالغة في الإسراع كما نقله في المجموع عن المتولي وأقره وليدع بما شاء كما مر. وآكده في رمله بعد تكبيره عند محاذاة الحجر الأسود اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا، وفي مشيه: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
"وإنما يسن" الرمل "في طواف بعده سعي"(٣) مطلوب "في حج أو عمرة وإن كان مكيا" للاتباع ولانتهائه فيه إلى تواصل الحركات بين الجبلين فإن رمل في طواف القدوم وسعى بعده لا يرمل في طواف الركن; لأن السعي بعده حينئذ غير مطلوب ولا رمل في طواف الوداع لذلك "والرمل لا يقضى" فلو تركه في الثلاثة الأول لا يقضيه في الأربعة الأخيرة; لأن هيئتها الهينة فلا تغير كالجهر لا يقضى في الأخيرتين بخلاف الجمعة مع المنافقين في الثانية لإمكان الجمع لو تركه في طواف القدوم والذي سعى بعده لا يقضيه في طواف الركن إذ السعي بعده حينئذ غير مطلوب.
"فرع: القرب من البيت مستحب" للطائف تبركا به; ولأنه المقصود ولأنه أيسر في الاستلام والتقبيل نعم إن تأذى بالزحام أو آذى غيره فالبعد أولى قال في
(١) "قوله فقال المشركون إنه يقدم عليكم إلخ" فأطلع الله نبيه على ما قالوه. (٢) سبق تخريجه. (٣) "قوله وإنما يسن في طواف بعده سعي إلخ" لخبر أبي داود أنه ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا.