للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

كفعل الزنادقة، والجهال إذا أمروا أو نهوا احتجوا بالقدر (١).

فتبين إذا أن تكذيب الله تعالى لهم إنما لاحتجاجهم بالمشيئة على رضا الله تعالى عليهم، وليس لأن الله تعالى لا يشاء المعاصي والشر.

الرابع: إن قولهم ذلك كان على سبيل الاستهزاء والسخرية دفعا لدعوته ، وتعللا لعدم إجابته وانقياده، لا تفويضا للكائنات إلى مشيئة الله تعالى. فما صدر عنهم، كلمة حق أريد بها باطل. ولذلك ذمهم الله بالتكذيب لأنهم قصدوا به تكذيب النبي في وجوب اتباعه والمتابعة، فقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ﴾ بالتشديد، ولم يذمهم بالكذب في قولهم ذلك، وإلا لقال (كَذَلِكَ كَذَبَ) بالتخفيف، إشارة إلى أن ذلك الكلام في نفسه حق وصدق (٢).

الخامس: إن قولهم ذلك كان على سبيل العناد والعتو، وهذا قريب من الوجه السابق.

قال البقاعي في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: بما أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم: إذا كان الكل بمشيئة الله كان التكليف عبثا، فكانت دعوى الأنبياء باطلة. وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تام، لا يسأل عما يفعل (٣).

السادس: أن في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ دلالة محضة للرد على المعتزلة، وثبوت عقيدة نفوذ المشيئة وعموم تعلقها بكل كائن، فصدر الآية مثبت أن للعبد اختيارا وقدرة على وجه يَقطع حُجَّته وعذره في المخالفة والعصيان، والثاني مثبت نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد، وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية وبذلك تقوم الحجة البالغة لأهل السنة على المعتزلة (٤).

السابع: أن مفعول المشيئة في قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ محذوف،


(١) شرح العقيدة الطحاوية: ابن أبي العز (ص: ١٠٥).
(٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٥٤٤).
(٣) نظم الدرر: البقاعي (٧/ ٣١١).
(٤) انظر: روح المعاني: الآلوسي (٨/ ٤٩١).

<<  <  ج: ص:  >  >>