للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

• دراسة المسألة:

بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم، واستقراء ما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ فيه دلالة على تحريم الزنى، وأن الآية عامة في كل مالا يحل، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (١) وذلك من أوجه:

الأول: أن سبب ذكر الأمر بحفظ الفرج بعد الأمر بغض البصر هو أن إطلاق البصر ذريعة إلى الوقوع في فاحشة الزنى، فذكر سبحانه في الآية أول الحال -وهو غض البصر- وآخر الحال -وهو حفظ الفرج- ليمتنع المؤمنين عن كل ذلك، ونظير ذلك قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾: ذكر أول الحال وآخرها (٢).

ولا يمتنع أن يكون المؤمن مأمورا بغض البصر وحفظ الفرج من النظر ومن الزنا وغيره من الأمور المحظورة وعلى أنه إن كان المراد حظر النظر فلا محالة أن اللمس والوطء مرادان بالآية من باب أولى، إذ هما أغلظ من النظر، كما أن قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ قد اقتضى حظر ما فوق ذلك من السب والضرب (٣).

الثاني: أن لهذه الآية نظائر: فقوله ﷿: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [سورة التحريم: ١٢] إخبار عنها بإحصانها لفرجها، وذلك بالأسباب، وهي ما اتخذت بين نفسها وبين الناس حجابا؛ لئلا يقع بصر الناس عليها، ولا يقع بصرها عليهم لتصل به إلى تحصين فرجها؛ كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، وهم إذا غضوا الأبصار، وصلوا إلى حفظ الفروج؛ ففي الحجاب غض البصر، وفي غض البصر


(١) نص على هذا الثعلبي في الكشف والبيان (١٩/ ١٤٢)، والواحدي في البسيط (١٦/ ١٩٨)، وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٢٨٩).
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٧/ ٢٩).
(٣) انظر: أحكام القرآن: الجصاص (٥/ ١٧٢)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٣/ ٣٦٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>