عند النظر في تفسير الآية نجد أن أكثر المفسرين يوردون في تفسيرها ما جاء في سبب نزولها، وهو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس أنه قال:" مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ، وهو يسوق غنما له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ "(١).
وهذا السبب يؤيد ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية تشمل الكف عن قتال من أظهر لنا انقياده بالإسلام، إلا أن الراجح والله أعلم أن الآية أعم من ذلك، وهو ما عليه أصحاب القول الثاني، وذلك من وجهين:
الأول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذه القاعدة مقررة عند جمهور أهل العلم، وهي محل اتفاق عند العلماء، ولم يخالف في ذلك إلا القليل، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم (٢).
قال ابن تيمية ﵀:"وقصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه"(٣).
وبهذا يتبين أن النهي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ عام في الكف عن القتال، أو القدر الذي يصير به الكافر مُسلمًا، وليس خاص بالكف عن القتال، والله أعلم.
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٣٦٧) برقم: (٢٠٢٣)، قال محققوا المسند: حسن لغيره، وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٣٥٥)، وأورده ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٨٧). (٢) انظر: البحر المحيط: الزركشي (٤/ ٢٦٩)، وانظر: المحصول: الرازي (٣/ ١٢٥)، وانظر: الإبهاج في شرح المنهاج: السبكي (٢/ ١٨٥). (٣) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١٥/ ٣٦٤).