الإسلام، فكأن حال النبي ﷺ أنه آيس عن إيمانهم عند سماع قولنا له: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٨٧]، وقال قولا، وهو: ﴿يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، فأجابه الله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾، فبناء على هذا السياق يُحمل المعنى على الأمر بالمتاركة والإعراض الكلي، والله أعلم (١).
الثاني: من حيث اللغة: فالسلام يُطلق على عدة معاني، ومنها: المتاركة: كما تقول: سلام بسلام أي تركًا بترك، وهذا كقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ " (٢).
الثالث: لو كان المراد من السلام في الآية: أن يُقال للمشركين: سلام، لما دلت السنة على النهي عن السلام على اليهود، وعموم المشركين، وكذا إذا بدأوا بالسلام فلا يُرد عليهم بالسلام، وإنما يقال لهم:(وعليكم).
فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:«لا تبدئوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه»(٣).
وروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت:«دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ، فقالوا السام عليك ففهمتها فقلت عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله ﷺ: مهلا يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ: فقد قلت: وعليكم»(٤).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من السلام في الآية: المتاركة، والإعراض.، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
(١) انظر: فتوح الغيب: الطيبي (١٤/ ١٨٥). (٢) الكتاب: سيبويه (١/ ٣٢٦)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (١٢/ ٢٨٩)، وانظر: تاج العروس: الزبيدي (٣٢/ ٤٠٥). (٣) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم، برقم: (٢١٦٧). (٤) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب: كيف يرد على أهل الذمة السلام، برقم: (٦٢٥٦).