قبل بيان الصواب في هذه المسألة، يجب التنبيه على أن علماء الأصول قسَّموا التقليد باعتبار حكمه إلى نوعان: تقليد جائز، وتقليد غير جائز.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀:"والتحقيق أن التقليد منه ما هو جائز، ومنه ما ليس بجائز، ومنه ما خالف فيه المتأخرون المتقدمين من الصحابة وغيرهم من القرون الثلاثة المفضلة.
أما التقليد الجائز: الذي لا يكاد يخالف فيه أحد من المسلمين فهو تقليد العامي عالماً أهلاً للفتيا في نازلة نزلت به، وهذا النوع من التقليد كان شائعاً في زمن النبي ﷺ، ولا خلاف فيه، فقد كان العامي، يسأل من شاء من أصحاب رسول الله ﷺ عن حكم النازلة تنزل به، فيفتيه فيعمل بفتياه، وإذا نزلت به نازلة أخرى لم يرتبط بالصحابي الذي أفتاه أولاً، بل يسأل عنها من شاء من أصحاب رسول الله ﷺ ثم يعمل بفتياه.
وأما ما لا يجوز من التقليد بلا خلاف: فهو تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاد، مجتهد آخر يرى خلاف ما ظهر له هو، للإجماع على أن المجتهد إذا ظهر له الحكم باجتهاده، لا يجوز له أن يقلد غيره المخالف لرأيه" (١).
فتفسير الرازي للآية بقوله:"فكأنه -تعالى- قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم"، يُحمل على ذم التقليد الذي يُخالف شرعنا، والله أعلم.
والظاهر أن القاسمي ﵀ نظر إلى مفهوم التقليد باعتبار أنه اتباع شخص أو طريقة من غير دليل، والله أعلم.
والظاهر أن الرازي يُريد من عبارته، دفع التوهم بأن طريقة الدين التقليد. كما يقول في تفسير الآية: " لما ذكر -تعالى- حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات بين أن الدليل لا يتم بذلك، بل كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا عذر له في ترك الحق بأن يتوهم أنه متمسّك بطريقة من تقدم؛ لأنهم أصابوا أو أخطئوا لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا