للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

من المحاسن يسمى التعطف ولو كان الكلام لا تبصره الأبصار وهو يبصر الأبصار لم تكن لفظتا ﴿اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ مناسبتين لما قبلهما (١).

وقريبًا من هذا الوجه: ما يُسميه البلاغيون من تشابه الأطراف: وهو أن يختم الكلام بما يناسب ابتداءه في المعنى، فهو : ﴿اللَّطِيفُ﴾؛ أي: الخفي عن إدراك الأبصار له من اللطف بمعنى خفاء الإدراك، فيكون راجعا لقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؛ أي: فيلطف عن أن تدركه الأبصار بحيث تخسأ الأبصار دون إدراك حقيقته. ﴿الْخَبِيرُ﴾؛ أي: العالم بدقائق الأشياء ولطائفها، فلا يعزب عن إدراكه شيء، فيكون راجعا لقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٢).

الثالث: أن اسم اللطيف يدل على صفة من صفات ذات الله تعالى، وهي صفة تنزيهه تعالى عن إحاطة العقول بماهيته أو إحاطة الحواس بذاته وصفاته، فيكون اختيارها للتعبير عن هذا الوصف في جانب الله تعالى هو منتهى الصراحة والرشاقة في الكلمة لأنها أقرب مادة في اللغة العربية تُقَرّب معنى وصفه تعالى بحسب ما وضعت له اللغة من متعارف الناس، وعليه فتكون أعم من مدلول جملة ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، فتتنزل من الجملة التي قبلها منزلة التذييل أو منزلة الاستدلال على الجزئية بالكلية فيزيد الوصف قبله تمكنا (٣).

• النتيجة:

بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب ما عليه أصحاب القول الثاني من أن المناسبة لذكر اللف في الآية ظاهرة، وتقتضيها البلاغة، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، بخلاف ما ذهب إليه الخفاجي الذي لم تظهر له المناسبة، والله أعلم.


(١) انظر: تحرير التحبير: ابن أبي الأصبع (ص: ٣٦٣) وانظر: البرهان: الزركشي (١/ ٨٠)، وانظر: إعراب القرآن: محيي الدين درويش (٣/ ١٨٨، ١٨٩).
(٢) انظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (٦/ ٢٦٦)، وانظر: تفسير حدائق الروح والريحان: الهرري (٨/ ٥١٠)، وانظر: إعراب القرآن: محيي الدين درويش (٣/ ١٨٩).
(٣) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٧/ ٤١٧)، بتصرف.

<<  <  ج: ص:  >  >>