أورد القاسمي ﵀ في تفسيره ما روي في سبب نزول الآية - وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ من أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة ابن عبد المطلب ﵁، حين استشهد. وقال: أما والله! على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك، وغيرها من الروايات، التي بنى عليها المفسرون قولهم بأن سورة النحل مكية إلا هذه الآية.
ثم أورد القاسمي ﵀ قول ابن كثير ﵀: بأن إسناد تلك الروايات فيه ضعف (٢)، فلم يرتضي أن تكون الآية من قبيل المدني.
ومن خلال النظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن سورة النحل مكية إلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وهو الذي عليه أكثر المفسرين (٣)، وليس كما ذهب إليه القاسمي ﵀، وذلك من وجهين:
الأول: ثبوت الروايات الصحيحة في سبب نزول الآية، الدالة على أن السورة مكية إلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ومن ذلك: ما أخرجه الترمذي والحاكم من حديث أبي بن كعب ﵁ أنه قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم قال: فلما كان يوم فتح مكة، فأنزل الله تعالى
(١) البرهان: الزركشي (١/ ٢٠٠)، وانظر: الإتقان: السيوطي (١/ ٦٠)، وانظر: المقصد لتلخيص ما في المرشد: السنيكي (ص: ٥٠). (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٧٢٢). (٣) نص على هذا الثعلبي في الكشف والبيان (١٦/ ١٦٢)، وابن عطية في المحرر الوجيز (٦/ ١٣٨)، والثعالبي في الجواهر الحسان (٣/ ٤٤٨).