للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله : «كفوا عن القوم إلا أربعة» (١).

فإن قيل: أن الروايات الواردة في سبب نزول الآية في إسنادها كلام، أو ضعف بحسب ما تقدم من كلام ابن كثير ، وما نص عليه النحاس في قوله: " فأما حديث أبي هريرة وابن عباس لما قتل حمزة رحمة الله عليه قال النبي : «لأمثلن بسبعين منهم فنزلت ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾» فإسنادهما ضعيف" (٢).

فالجواب: على التسليم بضعف إسناد هذه الروايات فإنها صالحة للسببية فإن الآثار الواردة عن السلف تعضدها وتقويها، مع موافقتها للسياق القرآني، واللَّه أعلم.

الثاني: كما أن لهذه الآية نظائر من السور المكية فلها نظائر من السور المدنية، فهذه الآية نظيرها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٩٤] وسورة البقرة مدنية، وكذا قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [سورة المائدة: ٤٥] الآية، وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)[سورة النساء: ١٤٩، ١٤٨]. من السور المدنية (٣).

الثالث: مما يدل على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أشبه بالمدني؛ أن المسلمين لم يملكوا القدرة على العقاب إلا بعد الهجرة، وبعد أن أذن لهم بالقتال في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ الآية. [سورة الحج: ٤٠] فبعد


(١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب ومن سورة النحل، برقم: (٣١٢٩)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٣٩١) برقم: (٣٣٦٨) وصححه ووافقه الذهبي، قال الألباني: حديث حسن صحيح الإسناد، وأورد بنحوه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٠٢)، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول: الوادعي (ص: ١٢٦).
(٢) معاني القرآن: النحاس (٤/ ١١٣)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (١٤/ ٣٣٥).
(٣) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٣/ ٤٦٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>