عبارة القاسمي ﵀:"من له حق في البقعة، فعليه أن يفارق كغيره"، يُفهم منها أنه يرى ترك الأماكن التي فيها منكرات إن عجز الناصح عن إزالتها، سواء كانت في المجالس، أو الولائم، أو الجنائز.
والذي يظهر من خلال عرض ما تقدم من الأقوال، أن مسألة حضور أماكن العبادات التي يُتقرَّب فيها إلى الله، مع حصول منكرات فيها، من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء، والظاهر أن الراجح هو مع أصحاب القول الأول، إذ إنه لا يُعقل أن يترك المسلم فريضة أو فضيلة، بسبب وجود منكر فيه عجز عن إزالته، وبيان ذلك من وجهين:
الوجه الأول: تحقيق المصلحة: فلو أن رجلا حضر جنازة ووجد فيها نياحة، أو وإقامة دعاء جماعي بعد دفن الميت، ونحو ذلك من البدع، وأنكر عليهم، ولم يستجب إليه أحد، فليس من المصلحة أن يترك المكان لظاهر وعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾، وذلك لسببين:
الأول: لما في حضور الجنازة من الفضل العظيم، الذي يحصل به مُتبع الجنازة أجر قيراطان، فإن ترك حضور الجنازة فاته هذا الأجر.
الثاني: لحاجة الميت لحضوره ودعائه له بالرحمة والمغفرة والتثبيت عند السؤال، فحضور هذا المسلم التقي النقي من البدع، يُرجى أن يكون دعاؤه أقرب للإجابة من غيره، الذين ناحوا على الميت فلم ينتفع منهم.
الوجه الثاني: الوقوع في المحظور: فلو أن رجلاً دخل مسجدا فرأى فيه زخارف ونُقوش، وكما هو معلوم أن النقش وزخرفة المساجد مما نهى الشارع عنه، كما في حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:"لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد"(١).
فليس له أن يتخلَّف عن صلاة الجماعة لظاهر وعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١٩/ ٣٧٢) برقم: (١٢٣٧٩)، قال محققوا المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد، برقم: (٤٤٩)، قال الألباني: حديث صحيح.