الرابع: أن الأمر يستلزم الترجيح، أي: ترجيح إيجاد الفعل، ولا ترجيح في المباح، لأن الأمر طلب، والطلب يستلزم الترجيح، وإلا كانت دلالته على اقتضاء إيجاد الفعل ترجيحا من غير مرجح، وذلك لأن قول السيد لعبده: افعل كذا، يفهم منه اقتضاء إيجاد ذلك الفعل لغة وعرفا، فلو كانت دلالة قوله:"افعل" على إيجاد الفعل وعدمه سواء، لكان فهم اقتضاء الإيجاد دون عدمه ترجيحا من غير مرجح.
وإذا ثبت أن الأمر يستلزم الترجيح - ولا ترجيح في المباح - لزم أن المباح غير مأمور به، فالمباح غير مأمور به (١).
تنبيهان:
الأول: استنباط الجصاص من الآية بأن فاعل المباح متبعٌ لأمر الله إذا قصد به اتباع أمره في اعتقاد إباحته، وإن لم يكن وقوع الفعل مرادا منه، كفاعل الواجب الذي يعتقد وجوب الفعل مع إيقاعه، وبهذا يجوز أن يشتمل قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على المباح الواجب (٢).
وهذا الاستنباط له حظ من النظر، فإن من اعتقد إباحة ما أباحه الله، كمن اعتقد وجوب ما أمر الله به، وتحريم ما نهى الله عنه، وهذا يدخل في الاتباع من هذه الحيثية، والله أعلم.
الثاني: مسألة الأمر بالمباح من المسائل التي ذكرها الأصوليون في مؤلفاتهم، وممن توسع فيها ورتبها، الشيخ الدكتور عبد الكريم النملة ﵀(٣) فقد أجاد فيها وأفاد.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا بأن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يدل على أن المباح غير مأمور به، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
(١) انظر: شرح مختصر الروضة: الطوفي (١/ ٣٨٧، ٣٨٨). (٢) انظر: أحكام القرآن: الجصاص (٤/ ٢٠١). (٣) انظر: المهذب في أصول الفقه المقارن: د. عبد الكريم النملة (١/ ٢٧٠ - ٢٧٤).