والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، والقدر خيره وشره من الله ﷿" (١).
وقال ابن قتيبة: "أصحاب الحديث كلهم مجمعون على أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون، وعلى أنه خالق الخير والشر" (٢).
مناقشة استدلال الزمخشري:
استدل الزمخشري ومن معه بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ الآية، على أن الله تعالى لا يشاء المعاصي، ظنًا منهم أن تكذيب الله تعالى للمشركين سببه أنه مُنَزه عن إرادة القبائح والكفر، والجواب عن استدلالهم من أوجه:
الأول: ما تقدم ذكره من أدلة الكتاب والسنة والإجماع التي فيها دلالة واضحة على أن الله تعالى يشاء الكفر والمعاصي كما أنه يشاء الإيمان.
الثاني: أن الآية ليست كما زعموا، فإن الله أخبر عن المشركين أنهم ادعوا على الله أنه أمرهم بالشرك وتحريم ما أحل لهم، فكذبهم الله في ادعائهم أمره بذلك، لا أنه كذبهم في إضافتهم مشيئة ما هم فيه إليه، فالتكذيب منهم إنما كان لمكذَّب، فإنه لو كان المراد أن ذلك ليس بمشيئة الله تعالى لقال (كذلك كَذَبَ) بتخفيف الذال، وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله لا إلى التكذيب (٣).
الثالث: أنه تعالى أنكر عليهم ذلك لأنهم احتجوا بمشيئته على رضاه ومحبته، وقالوا: لو كره ذلك وسخطه لما شاءه، فجعلوا مشيئته دليل رضاه، فرد الله عليهم ذلك. أو أنه أنكر عليهم اعتقادهم أن مشيئة الله دليل على أمره به. أو أنه أنكر عليهم معارضة شرعه وأمره الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه بقضائه وقدره، فجعلوا المشيئة العامة دافعة للأمر، فلم يذكروا المشيئة على جهة التوحيد، وإنما ذكروها معارضين بها لأمره، دافعين بها لشرعه،
(١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٣٦٦، ٣٦٧) برقم: (٢٨٦). (٢) تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة (ص: ٦٤). (٣) انظر: جامع البيان: الطبري (٩/ ٦٥١)، وانظر: البسيط: الواحدي (٨/ ٥١٤).