وما يقع فيه البشر من كفر أو إيمان أو فسوق أو عصيان، كله وفق إرادة الله ومشيئته، بخلاف ما ذهب إليه بعض من طوائف أهل البدع، كالمعتزلة الذين ظنوا أن إثبات مشيئة الله تعالى بوقوع المعاصي تستلزم أن الله تعالى يرضى بها.
وقد دلت الألة من الكتاب والسنة والإجماع على أن الله تعالى يشاء الكفر والمعاصي من العباد، كما أنه يشاء الإيمان منهم.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سورة الأنعام: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [سورة هود: ٣٤]. فهذه الآيات فيها دلالة صريحة على أن ما يقع من العباد من الهداية والضلال إنما هو بمشيئة الله تعالى.
ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته"(١)، الحديث.
فدل هذا الحديث بمفهومه أن الناس في ضلال وغفلة، وأن هذا بتقدير الله تعالى، إلا من هداه الله ووفقه إلى الإيمان، ومنعه من أسباب الضلالة.
وأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم.
قال الإمامان الرازيان أبو حاتم (٢) وأبو زرعة (٣) رحمهما الله: " أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا وشاما ويمنا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص،
(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، برقم: (٢٥٧٧). (٢) وهو: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود، أبو حاتم الرازي، الإمام، الحافظ، الناقد، شيخ المحدثين، الحنظلي الغطفاني، كان من بحور العلم، طوف البلاد، وبرع في المتن والإسناد، مات سنة ٢٤٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٣/ ٢٤٧). (٣) وهو: عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، أبو زرعة، الإمام، سيد الحفاظ، محدث الري، طلب العلم وهو حدث، وارتحل إلى الحجاز والشام ومصر والعراق، وكتب ما لا يوصف كثرة، مات سنة ٢٦٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٣/ ٦٥).