يجز أن يقال: إحداهما ناسخة الأخرى، فيكون المعنى: لا يحل لك النساء من بعد المسميات المتقدم ذكرهن في الآية قبل هذه الآية، ولم يكن في الآية المتقدم فيها ذكر المسميات بالتحليل لرسول الله ﷺ ذكر إباحة المسلمات كلهن، بل كان فيها ذكر أزواجه وملك يمينه الذي يفيء الله عليه، وبنات عمه وبنات عماته، وبنات خاله وبنات خالاته، اللاتي هاجرن معه، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي (١).
الثاني: أن القاعدة المقررة عند أهل العلم أن الناسخ والمنسوخ إنما يؤخذ به إذا تعذر الجمع بين الآيتين، أما إذا طرأ الاحتمال، وأمكن الجمع بين الآيتين والعمل بهما فلا معنى للقول بالنسخ، إذا إن الآية تحتمل جميع المعاني المتقدمة من تحريم النساء على النبي ﷺ إلا اللاتي أحلها الله له في قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، أو تحريم النساء غير المسلمات عليه.
يقول الحافظ النووي:" ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع لان في النسخ إخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به"(٢).
ويقول ابن العربي:"لا يصح القول على نسخ آية وإحكامها إلا بعد فهم معناها، وذلك أن قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ مفهوم وقوله: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ محتمل، لأنه يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: لا يحل لك النساء من بعد من عندك. والثاني: لا يحل لك النساء من غير المسلمات. الثالث: لا يحل لك النساء من بعد ما أحللنا لك في الآية المتقدمة"(٣).
الثالث: مما يدل على أن الآية مُحكمة، وتدل على أن النبي يجوز له أن ينكح ما بعد التسع أن الله تعالى قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ ولفظ: (بعد) يجوز أن يكون بمعنى (غير) كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [سورة الجاثية: ٢٣] وهو استعمال كثير في
(١) انظر: جامع البيان: الطبري (١٩/ ١٤٩)، وانظر: دراسات أصولية في القرآن الكريم: محمد الحفناوي (ص: ٤٠٨). (٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: النووي (١/ ٣٥)، وتقدم الحديث عن هذه القاعدة في مسألة رقم: (٩٥) ص: (٦٠٤). (٣) الناسخ والمنسوخ: ابن العربي (٢/ ٣٣٣).