الوجه الرابع: أن القصة جاءت بروايات أخرى وفيها أن الشيطان جاء إليهما وقال: "أنا صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة"، وهذا لا يقوله من يريد الإغواء، وإنما يأتي بشيء يقرب قبول قوله، فإذا قال:"أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة"، فسيعلمان علم اليقين أنه عدو لهما، فلا يقبلان منه صرفا ولا عدلا (١).
ومعلوم أن آدم ﵇ كان أشد الناس معرفة بإبليس، وكان عالما بجميع الأسماء كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [سورة البقرة: ٣١] فكان لا بد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحارث فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحارث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحارث؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى إنه لم يجد سوى هذا الاسم؟ " (٢).
الوجه الخامس: أن في قوله في هذه القصة: "لأجعلن له قرني أيل": إما أن يصدقا أن ذلك ممكن في حقه; فهذا شرك في الربوبية؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله، أو لا يصدقا; فلا يمكن أن يقبلا قوله وهما يعلمان أن ذلك غير ممكن في حقه.
الوجه السادس: أنه تعالى قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة، ولو كان آدم وحواء; لقال: عما يشركان (٣).
الوجه السابع: نظائر الآيات التي تدل على أن المراد من الآية ذرية آدم ومن أشرك منهم، فمعنى الآية: أنه لما آتى آدم وحواء صالحا كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء؛ لأنهما أصل لذريتهما، كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنه أصلهم بدليل قوله بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ