الثاني: أن قولهم مُخالف لدلالة اللغة: لأن (أرِ) مخففة، من الرؤية كأنه يقول أرني بمعنى أعطني.
فقوله تعالى: ﴿أَرِنِي﴾ بمعنى: بصّرني، والمراد اجعلني متمكنا من رؤيتك حتى أنظر إليك وأراك (١).
الثالث: أن هذا التأويل مخالف لسياق الآية: فلا يصح أن يقال: إن موسى ﵇ سأل أمرا عظيما، أو علمًا ضروريًا على تقدير: أرني أمرا، أنظر إلى أمرك، ثم حذف المفعول والمضاف؛ لأن سياق الآية يدل على بطلان هذا، وهو قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، فلو كان المراد من طلب موسى ﵇ العلم الضروري، لما نفاها الله تعالى بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ (٢).
الرابع: لو كانت الرؤية بمعنى العلم الضروري لكان النظر المذكور بعد أيضا بمعناه، وليس كذلك، فإن النظر الموصول بـ (إلى) نص في الرؤية لا يحتمل سواه، فلا يترك للاحتمال (٣).
الخامس: لو ساغ هذا التأويل لساغ مثله في ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [سورة النساء: ١٥٣] لتساوي الدلالة، وهو ممتنع بالإجماع، و (جهرة) لا يزيد على كون النظر موصولا بـ (إلى)(٤).
السادس: أن المواعدة في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ الآية، إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ الآية، تتضمن الملاقاة. والملاقاة تعتمد رؤية الذات وسماع الحديث، فحصل لموسى أحد ركني الملاقاة وهو التكليم، فأطمعه ذلك في الركن الثاني وهو المشاهدة، مما يؤذن بأن التكليم هو الذي أطمع موسى في حصول الرؤية، مما يدل على