الثاني: أن الآية من قبيل الأخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ، فالآية إنما أخبرت بما كان في الشرع من التحريم يومئذ -يعني في مكة- وأن النبي ﷺ لا يجد في ما أوحى الله إليه من المطعومات التي حرَّمها المشركون على أنفسهم (١).
الثالث: أن الآية جاءت جوابا عن سؤال سألوه؛ فكان الجواب بقدر السؤال، ثم حرم بعد ذلك ما حرم (٢).
الرابع: أن آية المائدة داخلة في آية الأنعام، وليست متعارضة معها في شيء؛ فإن المنخنقة والمتردية والنطيحة من الميتة، وقد اجتمعت الآيتان على تحريم الميتة، ومن الميتة ما أكله السبع فأماته، ومن الفسق الذي أهل لغير الله به: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، وما ذبح على النصب، أما الدم ولحم الخنزير فقد ذكرتهما الآيتان، وقيدت آية الأنعام إطلاق الدم في آية المائدة بأن يكون مسفوحا، وهو شرط لا بد منه للتحريم (٣).
الخامس: أن القاعدة المقررة عند أهل العلم (أن الأصل عدم النسخ مالم يرد دليل صريح على خلافه)(٤)، وظاهر الآية لا يدل على حصر المطعومات المحرّمة، فتعين أنها محكمة، وليست منسوخة.
تنبيه:
الحنفية يقولون أن الزيادة على المنصوص نسخ. فكل زائد على الكتاب فهو ناسخ، كزيادة الإيمان في رقبة الكفارة، وزيادة التغريب على الجلد في جلد الزاني البكر، فما جاء منه بطريق التواتر قبل، وما جاء منه بطريق الآحاد فلا يقبل؛ لأن الآحاد لا ينسخ المتواتر (٥).
(١) انظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٤٣٢)، وانظر: لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٣٤٧)، وانظر: نواسخ القرآن: ابن الجوزي (٢/ ٤٣٨). (٢) انظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ٨٨). (٣) النسخ في القرآن: د. مصطفى زيد (ص: ٤٥٦). (٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٣/ ١٧٠)، وانظر: الإحكام: الآمدي (٤/ ٢٦٩)، وانظر: نفائس الأصول: القرافي (٩/ ٣٧٥٤). (٥) انظر: العدة في أصول الفقه: أبو يعلى (٣/ ٨١٤)، وانظر: البرهان في أصول الفقه: الجويني (١/ ١٥٩)، وانظر: أصول السرخسي (١/ ٢٩٢)، وانظر: كشف الأسرار: البزدوي (٣/ ١٩١)، وانظر: قواعد الترجيح: حسين الحربي (١/ ٧١).