قال ابن تيمية:"والذي عليه جمهور السلف أنّ من جَحَدَ رؤيةَ الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممّن لم يبلغه العلم في ذلك عُرِّف ذلك، كما يُعَرَّف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصرّ على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر"(١).
الوجه الثاني: أن الله تعالى أثبت في الآية أنه يُدرك الأبصار كما قال: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وهذا الإدراك مختص به ﷾، مما يدل على أن الإدراك شيء زائد مع الرؤية من كيفية حقيقة البصر، وهو منتفي عن خلقه فلا يعلمون ويرون حقيقة هذا البصر.
قال الزجاج:"وفي هذا الكلام دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار، أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه"(٢).
فنفي الإدراك لا ينفي رؤية الله يوم القيامة، بل يثبتها بالمفهوم. فإنه إذا نفى الإدراك، الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة. فإنه لو أراد نفي الرؤية، لقال "لا تراه الأبصار" ونحو ذلك (٣).
الوجه الثالث: أنه قد تقرر في علم البيان والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار، وهي أبصار الكفار، هذا على تسليم أن نفي الإدراك يستلزم نفي الرؤية الخاصة، والآية من سلب العموم لا من عموم السلب، والأول يخلفه الجزئية، والتقدير لا تدركه كل الأبصار بل بعضها وهي أبصار المؤمنين، والمصير إلى أحد الوجهين متعين لما ثبت من تواتر الرؤية في الآخرة واعتضادها بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٤).
(١) مجموع الفتاوى: ابن تيمية: (٦/ ٤٨٦). (٢) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٢٧٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٩/ ٢٤٧). (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٢٦٨). (٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٣/ ٩٨)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٨/ ٣٤٧)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٨/ ٣٥٣، ٣٥٤)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٢/ ١٦٩).