استدلوا كذلك بما أخرجه الترمذي عن ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ ودى العامريين (١) اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري وكان لهما عهد من النبي ﷺ لم يشعر به عمرو بدية المسلمين» (٢). وبما أخرجه البيهقي عن علي بن الجعد «أن النبي ﷺ ودى ذميًا دية مسلم»(٣)، وغير ذلك من الأحاديث الدالة على ذلك.
والجواب عن هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن الأحاديث الدالة على تماثل ديتي المسلم والكافر لا تسلم أسانيدها من ضعف أو مقال، يُردي بها إلى الضعف، ففيها من لا يُحتج بحديثه، ومن هو متروك، وغير ذلك (٤).
الثاني: على فرض صحة هذه الأحاديث، فهي مأخوذة من فعل النبي ﷺ، والأحاديث الصحيحة مأخوذة من قوله ومن فعله، والقاعدة عند الأصوليين أن القول مقدم على الفعل، لأن القول أقوى في الدلالة على التشريع من الفعل، وأبلغ في البيان (٥).
تنبيه:
يرى القاسمي أنه لا تنافي بين هذه الروايات المذكورة في مقدار دية الكافر، بصرف النظر عن صحيحها وضعيفها، لأن الظاهر أن الفرض في دية الكافر إنما هو النصف. ولا حرج في الزيادة عليه، إلى أن يبلغ دية المسلم تبرعا وتفضلا. وبه يحصل الجمع بين الروايات (٦).
(١) ودى وديت القتيل أديه: أي: أعطيت ديته. ينظر: جامع الأصول: ابن الأثير (٤/ ٤١٦). (٢) أخرجه الترمذي، أبواب الديات عن رسول الله ﷺ، برقم: (١٤٠٤). قال الألباني: ضعيف الإسناد. (٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الديات، باب دية أهل الذمة، برقم: (١٦٤٣٤). (٤) انظر: نيل الأوطار: الشوكاني (٧/ ٨٠)، وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٥٠). (٥) انظر: جمع الجوامع: السبكي (ص: ٦٢)، وانظر: شرح مختصر الروضة: الطوفي (٣/ ٧٠٥)، وانظر: إرشاد الفحول: الشوكاني (١/ ١١٢، ١١٣). (٦) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٥٠).